Associated News Agency
الجمعة 16 تشرين الثاني 2018

حقيبة الإتحاد

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |

عبد السّريع اللّميع ... والإنتخابات اللبنانية

محمد سلام، الجمعة 16 شباط 2018

"رجاع. خالص. موفّق". على وقع "رنّة" هذه الكلمات الثلاث يوقظني صوت عبد السّريع اللّميع السابعة صباحاً. أحمل "سطل" قهوتي، وعلبة سجائري وأخرج إلى شرفة شقتي في الطابق الأول بمنطقة "ط. ج" وهو الإسم "المودرن" للطريق الجديدة ببيروت لأتفرج على عبد السريع يودّع سيارات الموظفين المغادرين إلى دوامهم ويستقبل سيارات أصحاب الدكاكين المنتشرة في الشوارع.

عبد السّريع اللمّيع يدير شبكة "فاليه باركينغ" خاصة في شارعنا. ويتقاضي "يللي فيه النصيب" من الباحثين عن مواقف لسياراتهم في المنطقة المكتظة. يعمل ساعتين صباحاً من 7-9 يودّع سيارات الموظفين ويستقبل سيارات الدكنجية و 3 ساعات مساء من 4-7 يودع الدكنجية ويستقبل الموظفين العائدين من الدوام إلى بيوتهم. بقية ساعات النهار تلتقيه حيثما تواجدت في ال ط. ج. لذلك أسميته عبد السّريع اللّميع.

هذا في الأيام العاديّة. أما في "موسم" الإنتخابات فعبد السريع فعلاً ألمعي لمّيع يحصد "المعلوم" من المرشحين، فالرجل يتمتع بذكاء فطري يتيح له الإستفادة من الموسم "لآخر نقطة" حسب تعبيره.

"هل مرة مع مين بدنا نشتغل بالإنتخابات"؟ سألني عبد السريع بعدما أنهى دوامه الصباحي ورافقني في جولة تبضعي إلى دكان المعلم محمد الخضرجي الذي يحمل شعار "من البستان إلى الدكان".

أوضحت له، بقدر ما أفهم، أن "هل مرة ما إلك شغل يا عبد السريع" وتبسمت محاولاً إستفزاز عبقريته.

"لآش؟" (يعني ليش بالبيروتي)، صرخ وقد جحظت عيناه من صدمة جوابي. "لآش عم تقطع لي برزقي يا إستاذ"؟؟؟؟

شرحت لعبد السريع أن "مهنة مندوبي الشارع التي كان يجيدها لتوزيع اللوائح على الناخبين قد ألغيت، وأن اللوائح المقفلة صارت مطبوعة من قبل الدولة وتوزع داخل قاعات الإقتراع من قبل رئيس قلم الإقتراع.

"يعني رئيس القليم (القلم) صار هوي بيقبض بدل التوزيع؟" سأل عبد السريع محتداً.

وبعدما أوضحت له أن رئيس "القليم" ما بيقبض لقاء توزيع اللوائح المقفلة، صمت لفترة كان خلالها يعد على أصابع يده ثم نطق عبد السريع اللميع:

"العمى بقلبن، كنت إشتغل مندوب شارع مع لايحتتين، إلبس قميصين (القميص يحمل إسم اللائحة)، كل واحد بمركز إقتراع، وما إلبس برنيطة (قبعة تحمل إسم لائحة) حتى ما إنكشف. وأقبض من اللايحتين. وأقبض من لايحة تالتة بدل إقتراع. يعني كانت الحسبة أقل شي 300 دولار بنهار واحد. ألله يقطع رزقن."

وأضاف: كنت أقبض على الضيافة بالصالونات يللي بتستقبل العالم والمكنات قبل الإنتخابات، يعني كنت طلّع من الصالونات خلال شهر كمان شي 300 دولار. كل يام (يوم) في إستقبال بصالون".

هنا أربكني عبد السريع فسألته: "ليش الصالونات التي تستقبل مجموعات للترويج لمرشح أو لائحة بتدفع؟"""

ضحك مستهزئاً:"ليك وين بعدك عايش. ما المرشحين بيدفعوا للصالونات (بعض الصالونات كي لا نعمم) ظرف (يعني مغلف يحتوي على مال نقدي)، بدل ضيافة وخدمة لإستقبال العالم يللي بتنتخب، وأصحاب الصالونات بيدفعولي بدل شوفير صنية وترتيب البيت بعد الإستقبال".

شوفير صنية؟؟؟ شو يعني شوفير صنية يا عبد السريع؟؟؟ سألت ...

"ولك يا إستاذ يعني بحمل الصنية يللي عليها فناجين القهوة والشاي والكاتو الصغير (بُتي فور) والنقولات وبضيّف العالم بالصالون. ما بدها قاموس للشرح. ولو، ما حضرتك إستاذ، ما مارقة معك هيدي،" رد عبد السريع اللميع متعالياً على تدني ثقافتي. "وبعد ما يفلوا (يغادرو) العالم منزبّط الصالون، منرجع الكنبايات والكراسي والترابيزات لمحلهن، ومننقل الفناجين ومكتات السواكير عالمطبخ. بس ما بكنّس ولا بجلي. هيدا شغل صنّاع (الصانعة هي الخادمة بالبيروتي)."

حزنت لقلة معرفتي، وفرحت بما "تعلّمته" من "الأستاذ" عبد السّريع اللمّيع، وخصوصاً لجهة التصنيف الطبقي الذي يعتبر أن أدنى سلّم العمل أو ما يسمى "شغل الصناع" هو الكنس والجلي، أما غير ذلك فهو، "وظيفة برتبة أعلى".

قطع علي عبد السريع تأملي في حال ثقافتنا فقال: "تا نرجع عالمفيد. كيف بدنا نستفيد بالإنتخابات طالما ما بقى إلنا شغل وصارت القصة محصورة بالتصويت بالصندوق؟"

وأضاف: يعني حيدفعوا على التصويت يا إستاذ. عميقولوا في دفع مبحبح (كبير) على هيدا الصات التفصيلي. مين صوتو تفصيلي يا إستاذ؟"""

يا عبد السريع، يا حبيبي إسمو الصوت التفضيلي، مش التفصيلي. فهمت؟؟؟ أجبت

"أى. حفظت إسمو. بس مين تفضيلي هيدا؟" سأل.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قلت في نفسي إذا حاولت أن أشرح له ما هو الصوت التفضيلي "منخلص بكرا" وأنا يجب أن أعود لمزاولة عملي على صفحة كلام سلام. فإختصرته له بعبارة "يعني أهم مرشح باللائحة يا عبد السريع هو التفضيلي."

ولمعت مع اللّميع فقال لي" يعني راس اللايحة. يعني الدفّيع. يعني في مصاري. ما يقولولنا ما في مصاري. ولك روح ألله يفتحها بوجك يا أستاذ".

وعاد عبد السريع إلى العد على أصابعه. وبعدما أنجز الحسبة همس في أذني :"يعني التفضيلي بقلّع ب 600 دولار. هيك منعوّض خسارة إلغاء مندوبي الشارع، ومنزيد عليهم بدل خدمة الضيافة بالصالونات. يعني إذا الله يسّر منعمل ألف دولار بالموسم. نعمة" وقبل كفه على الوجهين وتركني باسماً فرحاً وهو يدعو لي "الله يفتحها بوجك يا إستاذ."

حملت أكياس مشترياتي من الدكان الذي يستضيفها من البستان قبل أن تنتقل إلى بطن الإنسان والحيوان. غادرت وفي رأسي يدور سؤال: كم لميّع مثل عبد السّريع يحدد نتيجة الإنتخابات في لبنان؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟



(صفحة كلام سلامf)