Associated News Agency
الجمعة 18 آب 2017

اقلامنا

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 |

سقوط الإعلام اللبناني

محمد سلام، الثلاثاء 25 تموز 2017

النتيجة الحقيقية والثابتة لمعركة جرود عرسال ليست عسكرية، ولا سياسية، ولا إستراتيجية. إنها حقيقة مهنية مؤلمة تتلخص بعبارة "سقوط الإعلام اللبناني".

بغض النظر عمن يربح أو من يخسر في الميدان، وبغض النظر عن الإستنتاجات، واجب الصحافي يتلخص بنقل الحقيقة، لا يوجد وسيلة إعلامية لبنانية مستقلة نقلت الحقيقة.

لا ضرورة للإيحاء الكاذب بأداء مهني وإرسال مراسلين ومندوبين وكاميرات وسيارات نقل مباشر لتقف على بعد 5-10 كم عن ميدان المعركة ولا تنقل مشهد معركة، بل مجرد صواريخ تطلق في جرد، قذائف تنفجر في جرد، دخان يتصاعد من واد أو تلة، إنزال علم ورفع علىم في اللامكان. والمشاهد ليست لها أو لفريقها، بل لإعلام طرف مشارك في المعركة.

كان يكفي، إحتراماً للنفس وإحتراماً للناس، أن تنقل المؤسسات الإعلامية ما تبثة "المنار" و "الميادين" على أن تنسب ما تبثه لمصدره، بحيث تبقى مصداقيته على مسؤولية مصدره. هكذا يكون الإعلام صادقاً، وإن عاجزاً.

يمكن أن يتهم الإعلام بالعجز، ويستطيع الإعلام أن ينسب عجزه إلى نظام السيطرة والضبط والربط الذي لا يسمح لمراسليه بالوصول إلى موقع الحدث ونقل الحقيقة، كما هي، مهما كانت، بغض النظر عمن يستفيد من تطورات الميدان أو من يتضرر منها.

أما أن يسجّل التاريخ على الإعلام اللبناني بأنه "قبل أن يكذب" فهذه إهانة لا أقبلها لمهنتي في بلد تتولى فيه 15 مؤسسة جامعية، على الأقل، تخريج جحافل من "الإعلاميين" ...!!!

الصحافة نخوة، وشرف، وكرامة، وكبرياء، وعشق حقيقة على حساب أي مبدأ آخر. والحقيقة تقتضي التأكيد على أن مسؤلية إخفاء الحقائق لا تقع على الزميلات والزملاء المراسلين والمصورين، بل على عاتق المؤسسات الإعلامية الخاضعة لنظام الضبط والربط على حساب الحقيقة.

هذه الصورة البشعة المقيتة للإعلام اللبناني تتظهر بقوة منذ معركة عبرا، لم نشاهد على الشاشات سوى 4 أو 5 عسكريين يتقدمون بحذر، يراقبون السطوح، ثم ناقلة جند مسرعة، ودخان.

إتصل بي يومها زميل من ال 62 صحافياً الذين كانوا يتولون، نظرياً، "تغطية معارك" عبرا وقال لي "شوف صفحتي على الفايس بوك". فتحتها، وشاهدت عليهاً صوراً لمراسل حربي حقيقي. بعد نصف ساعة إتصل مجدداً وقال "ألغيت الصور. إتصل مديري وقال لي إما تلغي الصور على صفحتك أو ما تنزل على الشغل بكرا" مع أن المؤسسة التي يعمل لها الزميل تفاخر بأنها "حرة-مستقلة-موضوعية".

خلال 45 سنة من عمري المهني لم أخن الحقيقة يوماً. كتبت عن قصف الجنود الإيرانيين بغاز الخردل وغاز الأعصاب مع أنني كنت أغطي المعركة مع جيش صدام حسين، وموقفي كان مع صدام حسين. ونشرت أسماء الأسرى الإيرانيين الأطفال كي يطالب بهم الصليب الأحمر الدولي مع أني كنت أغطي الحرب مع جيش صدام حسين. وكتبت كيف قتل الفلسطينيون عناصر حركة أمل بعدما إستسلموا أمام سور سيدة مغدوشة، مع أنني كنت أغطي المعركة من جانب الفلسطينيين، وكتبت كيف تم تهريب الجاسوس الإسرائيلي كرم من المنطقة الشرقية في بيروت إلى جزين وكيف نقلته الكتيبة الفرنسية في اليونيفل إلى الناقورة فإسرائيل مع أنني كنت أغطي تلك العملية من جانب اليونيفل.

كل ذلك سببه أمر واحد: ليس لأنني أكثر مهارة من زملائي، وليس لأنني أكثر تعلقاً بالحرية من زملائي الجدد، بل لأن المؤسسات التي كنت أعمل لها أكثر تمسكاً بكرامتها وأخلاقياتها المهنية وعشقها للحرية والحقيقة.

ولمعالي وزير الإعلام الزميل ملحم الرياشي أقول: "بدل تضييع الوقت في فتح باب نقابة المحررين لمن يعدّهم النظام بأن يكونوا خاضعين، أتمنى عليك أن تبذل القليل من الجهد لإستعادة الحرية والمصداقية للإعلام اللبناني".



(صفحة كلام سلام )