Associated News Agency
الخميس 29 حزيران 2017

اقلامنا

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 |

الحركات الإسلامية والثورات العربية

محمد سلام، الأحد 22 كانون الثاني 2017

بداية فصل الربيع الماضي زرت هذه الدار الكريمة العامرة بالمؤمنين، فأخضعني سماحة المفتي الشيخ خليل الميس لإمتحان. وها أنا اليوم، بعون الله تعالى، عدت بعد قرابة سنة من البحث لأدلي بجوابي ولا أدري إن كنت سأنجح، علماً بأن الممتحِن بحر معرفة والممتحًن يأمل في أن يرتقي إلى مستوى ساقية تبحث عن حبة قمح ترويها في مسار تأمل أن يكون بهدي من الله سبحانه وتعالى.

السؤال البحر الذي طرحه الشيخ خليل الميس بهدوئه كان: "لماذا كلما جاءنا غريب يحدثنا عن إنجازاته وخططه المستقبليه ونحدثه نحن عن تاريخنا؟"

إستجمعت سواقي تجاربي فقادتني إلى إستنتاج أن سماحة المفتي الميس لم يطرح علي سؤالا، بل قدم لي جواباً وتركني أسبح بين أمواجه، سعياً للوصول إلى شاطيء يقين.

نعم، مشكلتنا كلنا، في الحركات الإسلامية وخارجها، تتلخص بأننا نعيش الماضي، لا الحاضر، فكيف سننتقل إلى المستقبل من الماضي من دون المرور بالحاضر؟؟؟؟؟؟

الثورات العربية، أو ما يسمى بالثورات العربية، إشتعلت ضد حاضر ترفضه، فيما الحركات الإسلامية قدمت لها صيغاً تعيدها إلى تاريخ جميل براق، ولكنه لا يستطيع أن ينقلها إلى مستقبل أفضل من دون المرور بالحاضر، أي الواقع الذي نعيشه الآن.

ليس المقصود من المقاربة إنتقاد الحركات الإسلامية، بل إنتقاد العرب المسلمين عموماً، إذ لا أستطيع إلا أن أسأل نفسي لماذا نجح حزب العدالة والتنمية في تركيا وحكم وهو من رحم جماعة الأخوان المسلمين، فيما فشل الأخوان العرب حيثما حاولوا؟؟؟؟

قد يقولون إن العسكرتاريا العربية ضربتهم في مصر الناصرية، وفي سوريا الأسدية، وفي مصر السيسية. فأسأل: وهل العسكرتاريا العربية أشد بأساً من العسكرتاريا التركية الأتاتوركية؟؟؟

العسكرتاريا العربية كلها على بعضها البعض قد تكون بمستوى نملة قياسا إلى فيل العسكرتاريا التركية الأتاتوركية العلمانية المتوحشة. فلماذا نجح الأخوان الأتراك وفشل الأخوان العرب؟؟؟؟؟

وهذا يقودني إلى سؤال إستنتاجي آخر: هل المسلم التركي عموماً أكثر ذكاء وحنكة وأوسع معرفة من المسلم العربي؟؟؟ وهنا لا أخص الأخوان بالسؤال، ولا أخص الحركات الإسلامية بالسؤال، بل أوجه السؤال إلى العرب المسلمين عموماً. نعم إلى العرب المسلمين السنّة عموماً، بالإذن من بعض الحركات الإسلامية التي ترفض هذا التصنيف، على قاعدة أننا مسلمون ونقطة على السطر.

لماذا موّل التجار المسلمون السنّة الأتراك حكم حزب العدالة والتنمية، ولماذا لبى الشعب التركي المسلم السني دعوة الرئيس أردوغان لمواجهة المحاولة الإنقلابية الغولنية الإسلامية؟؟؟؟؟

بل لماذا عادى حزب النور السلفي في مصر حكم محمد مرسي وصولاً إلى تحويل الفنانة إلهام شاهين إلى قضية والمطالبة بتكفيرها وإبطال زواجها، فيما سكت عنها بعد سقوط حكم مرسي مع أنها صارت تمثل مصر السيسية من ضمن وفود رسمية؟؟؟

صحيح الناس بالناس والقطة بتكفير فنانة، ثم السكوت عنها. لماذا؟؟؟

ومن تابع نقاشات الإسلاميين على الفيس بوك بعد عملية إغتيال السفير الروسي في تركيا يفاجأ، فعلاً، بأن الجهد الفكري تلخص بسؤال: "هل يحوز قتل سفير أو لا يجوز قتل سفير. ومن قتل سفراء الرسول، عليه الصلاة والسلام، وكيف لم يقتل النبي صلاة الله وسلامه عليه من أرسل إليه من سفراء".....

تاريخ. تاريخ. تاريخ. على أهميته الشرعية والفقهية والدينية، ولكن ما علاقته بإغتيال السفير الروسي ومحاولة الإطاحة بحكم أردوغان؟؟؟؟؟؟

الفرق بين تجارب المسلمين العرب والمسلمين الأتراك هو إعتماد الأتراك على واقعية الجغرافيا، وإصرار العرب على التاريخ والنوستالجيا. الجغرافيا هي الحاضر، والتاريخ هو الماضي. التاريخ يصنعه البشر ويكتبه المنتصر وقد يخطئ أو يصيب. الجغرافيا يصنعها الله والله، سبحانه وتعالى، لا يخطئ. لذلك نجح المسلم التركي وفشل المسلم العربي، أكان إسلامياً أم غير إسلامي.

المسلم التركي مسلم سني وطني، والوطن هو الجغرافيا، والمسلم العربي أممي تاريخي فاقد لعلاقتة بالحاضر، والتاريخ هو الماضي وعشق الماضي يتحول إلى مرض إجتماعي إسمه نوستالجيا.

هل سأل أحدكم لماذا أخرج أردوغان أحمد داوود أوغلو من هيكلية السلطة في تركيا، علماً بأن أوغلو هو المدماك العقائدي لحزب العدالة والتنمية؟؟؟؟

لأن أردوغان يريد أن ينطلق من وطنية التركي المسلم السني لا ليبني سلطنة عثمانية، أقله الآن، بل ليبني تركيا قوية، مدركاً أن الحاضر الدولي قد يسمح بهامش لمسلمين وطنيين بحدود جغرافية، ولكن  الواقع الدولي لا يفتح أي ثغرة لإسلام أممي عابر للحدود، أي للتاريخ، الذي نعتبره نحن فتحاً ويعتبره بقية العالم إحتلالاً.

نعم. تحديات الحاضر، تحديات الواقع، تحديات الجغرافيا، تحديات صراع البقاء، تلزمنا بأن نعترف بحقيقة أننا وطنيون مسلمون سنة. علينا أن نتعلم كيف نبقى، كيف نحافظ على وجودنا في مواجهة غزو غير سني يهددنا في بلادنا. علينا أن نتعلم كيف ننزع من الآخر ذريعة تصنيفنا بأننا عدو، أو تهديد، أو بذرة إحتلال، أو بيئة إرهاب. علينا أن نعيش الحاضر، الجغرافيا، لا أن نغرق في التاريخ.

نعم. بالنسبة للعالم، شرقاً وغرباً عرباً وعجماً، المسلمون السنة هم إرهابيون وأعداء وبذرة غزاة. هكذا يصنفوننا، وهكذا هي صورتنا في كل العالم.

كيف ننزع هذه الصورة؟؟؟؟؟؟؟

بأن نخرج من النوستالجيا ونعيش الواقع. لا أدعو إلى نسيان تاريخنا، ولكن أدعوا إلى إدراك واقعنا وبلورة وجودنا وعدم تقديم هدايا لإعدائنا تساهم في قتلنا.

نعم، نحن منذ 100 سنة نقدم لأعدائنا هدايا كي يستخدموها في قتلنا.

في سبعينات القرن الماضي خطفت طائرات وسفراء ورياضيين فصرنا إرهاباً عربياً، ثم فجرتا أبراج فصرنا إرهابيين مسلمين، قاتلنا في أفغانستان تحت قيادة الأمريكيين وهزمنا لهم السوفيات وبعدها قتلنا بعضنا، قتل الشيخ عبد الله عزام وسطع بن لادن، والآن قتل بن لادن وسطع البغدادي، وغداً غيره وغيره وغيره.

متى سننجح في إخراج أنفسنا من هذا المشهد، ومتى سنحرم العالم من تشويه صورتنا وكيف؟؟؟؟

بالجغرافيا، أي بالواقع لا بالنوستالجيا، وبالوطنية السنية، برأيي كي نميز أنفسنا عن إرهاب الولي الفقيه والإرهاب التكفيري ونتمكن من مواجهتهما، لا مواجهة أحدهما لحساب الآخر.

هل إنتبهتم للتعريف السياسي الخطير الذي ورد في خطاب الرئيس الأميركي ترامب والذي يؤسس لمرحلة جديدة وخطيرة  قد تكون عنوان القرن. توعد ترامب بالقضاء على "الإسلام العنيف". هذا عنوان سياسي، مش صف حكي.

الثابت فيه هو "الإسلام" والقابل للتمايز هو "العنيف"، ما يطرح السؤال جدياً: كيف نخرج أنفسنا من خانة "العنيف"؟؟؟؟؟؟؟

بأن نعمل ونسعى لجعل عبارة "العنيف" مقتصرة على التكفيري والفقيهي.

وكيف نفعل ذلك؟؟؟

بأن نمايز ونتميز ونتمايز ونفاخر بأننا وطنيون مسلمون سنة، بالإذن من الأخوة الإسلاميين الذين يرفضون هذا التمايز والتمييز لأنه لم يكن موجوداً من زمن الرسول عليه الصلاة والسلام

*نص ندوة ألقيت في أزهر البقاع بنفس تاريخ النشر



(خاص*)