Associated News Agency
الأربعاء 29 آذار 2017

حقيبة الإتحاد

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |

بعد زوال عراق-صدام، 'لبنان-عون' إلى أين؟!

محمد سلام، الخميس 27 تشرين الأول 2016

أخطر ما في الرسائل الدولية هو تفسيرها وليس نصّها. فمن يحسن تفسيرها ينصب شراع مركبه في مسار ريح تحيّده عن لجج تتلاطم في محيط هائج. ومن لا يحسن التفسير ينقلب مركبه ... ويغرق. هذا ما أصاب صدام حسين عندما أساء تفسير جملة قالتها له سفيرة أميركا آبريل غلاسبي فغزا الكويت ... وأغرق عراقه وأنهاه ومزقه.

قال صدام لغلاسبي، وفق نص المحضر الرسمي، "حكام دول الخليج الذين دافعت عنهم وحميتهم من إيران يريدون إذلالي لأنني إنتصرت، وقد كلفوا آل الصباح (حكام الكويت) بمهمة إستنزاف العراق مالياً وتجويعه لإضعافه. يجب تأديب هؤلاء." 

"This issue concerns the Arab League" بهذه الجملة اليتيمة ردت غلاسبي على مداخلة صدام وترجمتها إلى العربية هي: "هذه مسألة تعني جامعة الدول العربية." لم تقل سفيرة الولايات المتحدة الأميركية أكثر من هذه الجملة.

صدّام "فسّر" رد غلاسبي على أنه يعني أن أميركا لا يهمها أي صراع بين العرب، وأن الغرب الذي أيده ضد الخميني لن يعارضه إذا أراد "تأديب" الكويت. فغزا صدام الكويت في 2 آب أغسطس العام 1990 فأخرجته منها حرب عاصفة الصحراء مهزوماً محطماً بعد ستة أشهر، وتحديداً في 28 شباط (فبراير) العام 1991 ... ثم أنهت "حرب الخليج الثانية" عراق-صدام في 1 أيار (مايو) العام 2003 والباقي هو عراق ممزق نشهده اليوم.

سيقول البعض، بل سيقول كثر، إن ما جرى هو "مؤامرة على الأمة العربية" وأقول إن صدام بتفسيره الخاطئ لجملة آبريل غلاسبي قدم لهذه المؤامرة المزعومة المنصّة التي كانت تحتاجها لتنفيذ تلك المؤامرة أو أهداها ...المؤامرة بذاتها.

خلاصة القول هي أن سوء تفسير نص جملة واحدة نشأ عنه سلسلة إرتدادات أسقطت أقوى دولة عربية ودمرتها في 11 عاماً وهدمت حلماً كان يتغني بجيش المليون جندي ووووووووو ألخ.

هي مؤامرة. نعم. شاركت فيها كل دول العالم. نعم. ولكن صدام الذي كان يفترض به أن يتصدى لها هو من سهلها ... بخطأ تفسيري.

من عراق-صدام الذي إنتهى وتلاشى ننتقل إلى لبنان-عون الإفتراضي، حتى الآن، على خلفية تفسير رسالة دولية نشرنا نصّها في مقالنا السابق وجاء فيها تحديداً: " “The whole region is united to fight ISIS and cannot tolerate a leap into the unknown in Lebanon by electing a biased president who can provoke the Sunnis both in Lebanon and the region. Such a hasty move could have serious repercussions on the whole situation.”

وترجمتها إلى العربية هي: "المنطقة بأكملها متحدة لقتال الدولة الإسلامية ولا يمكنها تحمّل قفزة في المجهول عبر إنتخاب رئيس متحيّز يستطيع إستفزاز السنة في لبنان والمنطقة. مثل هذه الخطوة المتسرّعة يمكن أن يكون لها إرتدادات خطيرة على المنطقة كلها."

مع أن الرسالة التي وصلتنا أكثر وضوحاً من جملة غلاسبي لصدام، وهي بصفة نصيحة، إلا أن البعض قرر إما تفسيرها على أنها تعني إنتخاب العماد ميشال عون بصفة توافقيه مزعومة، أو أن هذا البعض قرر ... تحديها ونصب شراعه في عكس مجرى ريحها، مناقضاً القاعدة الأساساية في علم السياسة التي تقول صراحة: "من لا يستطيع توجيه الرياح عليه أن يحسن ضبط الشراع."

الواقعية السياسية تلزمنا بالإعتراف الصريح والموضوعي والعلمي بأن ليس بين المكونات اللبنانية أي قوة تستطيع توجيه رياح السياسة. دولتنا هي نتيجة لتسوية دولية بدأ تنفيذها سنة 1920، وبما أننا نتيجة ولسنا سبباً فنحن لا نستطيع توجيه نسمة سياسية فكيف بتوجيه ريح.

وكلما أساء مكون لبناني تفسير مجرى النصائح الدولية ونصب شراعه في مجرى ريح هوجاء كان البلد يسقط في ما لا تحمد عقباه. هذا بالتحديد ما حصل سنة 1958  نتيجة سوء تفسير المسار الدولي الرافض للتمديد لرئيس الجمهورية ، وهذا بالضبط ما حصل سنة 1969 (إتفاق القاهرة) وهو الذي فجّر الحرب الأهلية سنة 1975، وهذا ما حصل سنة 1982 (إغتيال الرئيس بشير الجميل) وهذا ما حصل سنة 1990 (معركة 13 تشرين الأول) وهذا ما حصل مع قرار التمديد للرئيس لحود الذي أنتج 7 أيار 2008. فهل هذا ما يحصل الآن؟؟؟

خلاصة القول أن إرتدادات سوء التفسير تظهر بعد إرتكاب فعل سوء التفسير. سوء التفسير هو إبن لحظة، وإرتداداته، أي إنعكاساته السلبية، هي إبنة زمن ما بعد اللحظة.

عراق-صدام الواقعي أنهته لحظة سوء تفسير جملة آبريل غلاسبي وإستغرق إنهاؤه 13سنة!!!

ما على السياسيين اللبنانيين إلا أن يحسنوا تفسير النصيحة الدولية كما بيان مجلس الوزراء السعودي المنعقد برئاسة خادم الحرمين الشريفين يوم الإثنين الماضي إذ "جدد المجلس عزم المملكة ومواصلتها مكافحة الأنشطة الإرهابية "لحزب الله " اللبناني..."    

فهل هناك من يحسن التفسير؟؟؟



( Lebanon360 )