Associated News Agency
الأربعاء 29 آذار 2017

مكتبة الإتحاد

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |

المواقع: مستقبل المهنة المظلم ،عن المهنة ومؤسساتها (3)

فداء عيتاني:، الإثنين 4 نيسان 2016

حين كانت الامور لا تزال بخير مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، طلب مني مشروع موقع سياسي اخباري على شبكة الانترنت، كان الرجل يتذمر من دفع امواله لجريدة “الأخبار” وكان لا يزال مدينا لها بحسب تعهده للنظام السوري بمبلغ لا يتجاوز النصف مليون دولار، كجزء من حصة فرضها عليه النظام المذكور، كما فرض على اخرين حصصا اقل، ومع وصوله الى سدة رئاسة الحكومة وخلال المرحلة الطويلة لتعثر تشكيل الحكومة كان يحتاج الى موقع اعلامي خاص به.

اعلام للبخلاء

بين ملفاتي كنت، كما دائما، احدث دائما مشروع موقع اخباري ومنبر للكتابة، وحاجاته المالية، ولكن لم يكن نجيب ميقاتي ممن يمكنه اطلاقه، لسبب اول وبسيط الا وهو ان الرجل وصف نفسه امامي بانه: “بخيل في الشأن العام”. ولكن مع اصرار صديق سابق سلمته ملخص عن المشروع مع كلفته المالية، واخبرني لاحقا ان الميقاتي، وخلال عشاء سأله عن الامر بعد ان كان طلب منه الحصول على مشروعي، وحين قال له:”الكلفة حوالي ٨٠٠ الف دولار سنويا” اجاب الميقاتي:”اوف. كثير”.

خلال اشهر لاحقة اسس ميقاتي موقع لبنان ٢٤ وسلم ادارته للصديق السابق بكلفة شديدة التواضع.

تلك المواقع كانت قد اصبحت موضة رائجة، لقد اكتشف حزب الله، والعديد من القوى السياسية قوة الانترنت، وحولوها الى مواقع تبث الدعاية دون حسيب او رقيب، على طريقة تحويل منظمة التحرير الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات لمجموعات شبابية في المرحلة الاولى من الحرب الاهلية الى احزاب تطالب كمال جنبلاط بالجلوس الى جانبه في الحركة الوطنية والحصول على نسب تمثيل.

اعلام معاد تدويره

تناسلت المواقع الاخبارية على شبكة الانترنت، وخلقت حيزا لها، بتمويل هزيل، لا يكاد يبلغ خمسة بالمئة من الموازنات التشغيلية للصحف المطبوعة، ولحق بحزب الله الكثير من المقلدين من القوى السياسية المقابلة، وانشئت مواقع تتوازى لديها الاخبار الملفقة والاخبار المأخوذة من مواقع اخرى، والصور المسروقة، بالاخبار الخاصة، وتدهور مستوى الخبر والمعلومة واختفى التحقيق الاخباري، والاستثمار في الموظفين، واعتمدت المواقع على متخرجين لا يجدون فرص عمل، دون توظيف او ضمانات.

واتاح الانقسام العمودي الذي ضرب المجتمع اللبناني، ومستوى التحريض المذهبي بين السنة والشيعة في المنطقة ككل الانتشار لهذه الصيغة الجديدة، التي لا يتجاوز سقف الانفاق على افضلها العشرة الاف دولار شهريا، بغض النظر عما يمكن ان يجمعه مؤسسها من السفارات او الشخصيات السياسية.

هذه الصيغة ليست مفاجئة، فقد عمدت صحف لبنانية عريقة كـ “السفير” و”النهار” الى اطلاق صفحات وملاحق شبابية في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية، لتجاوز مقاطعتها من قبل القراء الشباب خاصة، ولمحاولة ترويج الصحف، وتركت الاقلام الشابة للكتابة الانطباعية، والذاتية، وكرست هذه الاقلام الشابة كاصوات معبرة عن جيلها، من دون ان تسعى الى صقلها او ارشادها مهنيا، ولاحقا بات هؤلاء الشباب وقودا رخيصا في ماكينات الصحف الكبرى، وتحول نمط الكتابة الانطباعية الحرة الى اسلوب في التعبير، بدل ان يتم الاستثمار في التحقيقات والاستقصاء والمعلوماتية المهنية وكتابة الرأي والتحليل السياسي التي تحكمها ضوابط وعمق اطلاع ومعرفة ثقافية -سياسية عالية.

ولكن اليوم، وبنظرة سريعة على موقع متخصص بالاحصاء كاليكسا (alexa.com) يمكن لاي مواطن معرفة موقع الصحف العريقة في مقابل تلك المواقع الرديئة.

ارقام معبرة

تحتل جريدة “السفير” الموقع الرقم ٨٣ على لائحة المواقع المشاهدة في لبنان، و٢٥ الفا على مستوى العالم، بينما يحتل موقع “بيروت برس” الممول من حزب الله الرقم ١٣ لبنانيا و٨ الاف عالميا. (يمكن الاطلاع على لائحة المواقع المشاهدة في لبنان وفق ترتيب الاكثر شعبية هنا)، ويأتي خلفه مباشرة موقع بنت جبيل، القرية الجنوبية اللبنانية ليحتل الرقم ١٤ بين المواقع المشاهدة لبنانيا.

ما تشير اليه الارقام ان الحرب الاعلامية على شبكة الانترنت قد ربحتها المواقع الصغيرة، البعيدة عن المهنة، والمتفلتة من الضوابط، وغير ذات المصداقية، والتي تجذب جمهورا يرغب بسماع النغمة المذهبية، والتحريض المباشر على الاخرين، مقابل تراجع المواقع التي لا زالت تحتفظ ببعض المصداقية.

حاول موقع “النهار” المنافسة عبر نشر اخبار منوعة وفضائحية، واعتماد اسلوب شبيه بمواقع قليلة التمويل في استخدام اي شيء وكل شيء لجذب الجمهور، ولكنه على الرغم من ذلك لم يتجاوز الرقم ١٨ لبنانيا في افضل حالاته. خسرت صحف كجريدة “الاخبار” المنافسة، وبرغم استخدامها التحريض والابتعاد عن التدقيق في معلوماتها، وتكريس اسلوب الدعاية السياسية المحضة على حساب الموضوعية (بغض النظر عن الحيادية)، الا انها تراجعت الى الموقع ٧٤ لبنانيا و٢١ الفا عالميا (وهي تحتل الرقم ٧٦ سوريا).

زهران بدل سلمان

مع اختفاء النقاش السياسي، والمشاريع والافكار والطروحات، وانحصار التجاذب على السلطة الى شكله العنفي، واشتداد الصراعات ذات الشكل والبعد المذهبيين، تحولت الصحف والمواقع الاخبارية الى مؤسسات دعائية وتحريضية شبه حزبية، كل منها تحاول التعبير عن موقع المذهب والطائفة وتحرض على الاخرين، تبيع الرعب والخوف من الاخر، والكراهية وتراكم الاحقاد، لم يعد من داع للاستثمار في توظيف الاموال في كتاب يملكون قدرا من الافكار المستندة الى ثقافة وعمق تجربة، او توظيف مبالغ مالية من اجل انتاج تحقيقات واستقصاءات واساليب مهنية تتيح للقارئ الاطلاع على الاحوال في محيطه، صار يكفي اعادة تدوير الاخبار والمعلومات (بغض النظر عن مدى صحتها) على صفحات مرتجلة وبايدي مبتدئة.

لم يعد من الضروري تقديم خدمة الى القارئ او المشاهد، صار يكفي تلبية مزاج الرعب والخوف لتحقيق النجاح، فبما يمكن ان يمتاز شخص كطلال سلمان عن سالم زهران؟ ولماذا يدفع نصرالله الى سلمان (الذي لا تبيع صحيفته الورقية اكثر من خمسة الاف نسخة) ولا يشجع زهران الذي يشاهده عشرات الالاف؟ او يمول سعد الحريري ومن خلفه جريدة محتضرة كـ”النهار” بدل تمويل فقاعات عقاب صقر وفارس خشان؟



(موقع حدثنا غودو)