Associated News Agency
السبت 27 أيار 2017

موسم الهجرة من جيش الأسد: نصف مليون هارب

عدنان علي، الثلاثاء 20 تشرين الأول 2015

في ظلّ التطورات الأخيرة في سوريا، لم يعد أمام المواطنين، وخصوصاً الشباب، من خيار سوى الهجرة، على الرغم من أنّها مغامرة محفوفة بالمخاطر، إلّا أنّها تبقى الحلّ الأنسب أمام الشباب الذين يشكّلون ثمانين في المئة من المهاجرين، للهروب من الخدمة العسكرية ، التي باتت تعني القتال حتى الموت، فضلاً عن الأوضاع المعيشية الصعبة.

في هذا الصدد، لفت رئيس الوزراء في حكومة النظام، وائل الحلقي، أخيراً، في تصريح صحافي، إلى أنّ الأسباب الرئيسية التي تدفع الشباب إلى الهجرة، هي الهروب من الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المزري. ورأى أن التصدي لهذه الظاهرة يكمن في تشجيع الشباب على الالتحاق بالجيش “عبر حملات دعائية وترويجية تزيد من وطنيّتهم وإحساسهم العالي بالمسؤولية”.

وتأتي خسائر النظام في عديده، يومياً، على مختلف الجبهات الممتدة من اللاذقية غرباً إلى الحسكة شرقاً، ومن حلب شمالاً إلى درعا جنوباً، فضلاً عن اقتراب العمليات القتالية في حواضن النظام الأساسية في الساحل ودمشق، وسعي الأخير بمساعدة روسيا لاستعادة مناطق خسرها، أخيراً، خصوصاً في ريفي حماة وإدلب، لتؤكد أنّ النظام أصبح بحاجة ماسة إلى زيادة عدد قواته، ما دفع القيادة العسكرية، أخيراً، إلى القيام بحملة دعائية، متوجّهة إلى الشباب السوريين، باعتبار أنّ المقاتلين المرتزقة والتنظيمات المسلحة لا يمكنها تحقيق أهداف النظام، بسبب اتساع المساحة الجغرافية وضعف دراية هؤلاء بجغرافية الأرض، ما يجعلهم صيداً سهلاً لفصائل المعارضة في معظم الأحيان. وبحسب تقديرات عدة، فإن قوات النظام منيت بعد مرور أربعة أعوام من الحرب، بخسائر كبيرة فاقت الـ120 ألفاً من جنودها أو المسلحين الموالين لها.

وبحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فإنّ هناك نحو نصف مليون شاب سوري، تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً مطلوبين، حالياً، إلى الخدمة العسكرية، وأسماؤهم مسجّلة لدى دوائر شعب التجنيد. وأوضحت الشبكة في تقرير لها أنّ السلطات لم تصدر أي قرار رسمي في هذا الشأن، لكنّها وزّعت تلك القوائم، وتقوم بعمليات دهم واعتقال في كثير من المحافظات، بحثاً عن المطلوبين للخدمة، خصوصاً في مدن حماة ودمشق وجبلة واللاذقية، إضافة إلى الحواجز العسكرية التي اعتقلت عشرات الشباب الذين لا يحملون وثيقة تثبت تأجيل خدمتهم العسكرية، وفقاً لتقرير الشبكة.

ويلفت مراقبون إلى أنّ الهاربين من الخدمة الإلزامية يشملون المعارضين للنظام والموالين له، وهو ما يؤرق النظام، على الرغم من عدم ممانعة الأخير في هجرة الشباب من الطائفة السنية في إطار مشاريع دوائر في النظام السوري متناغمة مع خطط إيرانية في إطار إحداث تغيير ديمغرافي لإحلال عناصر وفئات مكان أخرى على أساس طائفي، وهو ما يظهر في مناطق في دمشق وحمص وريف دمشق وأماكن أخرى.

وكانت وزارة الدفاع قد طلبت نهاية العام الماضي، عدم السماح لمن أنهى الخدمة الإلزامية السفر وهو خاضع للاحتياط إلّا بعد حصوله على موافقة شعبة تجنيده. فيما طالبت بعض دوائر الحكومة مثل مديرية التربية في حلب، الموظفين باستخراج بيان وضعهم في الخدمة الإلزامية وإلا سيتم توقيف رواتبهم.

ولمواجهة هذا القرار، يتعمّد طلاب الجامعات الرسوب في اختصاصاتهم، لمواصلة الحصول على عذر قانوني لتأجيل الالتحاق بالخدمة العسكرية التي تبلغ مدتها عامين وعاما ونصف العام لمن يحمل شهادة جامعية. إلّا أنّ هذه الطريقة تبوء بالفشل، أحياناً، إذ تعمد قوات النظام والشرطة العسكرية، خلال حملات الدهم والاعتقال التي يقومون بها في المقاهي والمطاعم والمنازل أو خلال التوقيفات على الحواجز، إلى اعتقال كل شاب وسوقه لمراكز التجنيد إذا لم يكن حاملاً دفتر الخدمة الإلزامية وإفادة تأجيل الخدمة.

كما يلجأ من لا يستطيعون تأجيل خدمتهم، إلى تزوير أوراقهم، لتجنب سوقهم للخدمة، إلّا أنّ قوات الدفاع الوطني، التي قامت بعمليات تفتيش ودهم في مدينة جبلة على الساحل السوري، قامت باعتقال مجموعة تقوم بتزوير أوراق رسمية تخص أشخاصاً مطلوبين للخدمة العسكرية، لتمكينهم من مغادرة البلاد.

ومنذ بداية العمليات العسكرية، قبل نحو أربعة أعوام، يمتنع جيش النظام عن تسريح أي مجند حتى لو انتهت خدمته الإلزامية، أي أن مدة الخدمة باتت مفتوحة، ما يعني نهاية حياة هؤلاء الشبان، على جميع الأصعدة، وصورة الموت جاهزة في أذهانهم. وتسود منطقة الساحل السوري حالة من التململ، وسط عزوف من جانب الأهالي عن إرسال أولادهم إلى الجيش، خصوصاً في ضوء مشاهدتهم طوابير التوابيت التي تحمل الجثث العائدة يومياً من جبهات القتال في المحافظات السورية المختلفة.

ويوضح ناشطون أنّهم اعتادوا على رؤية عشرات الشبان يغادرون، تباعاً، عبر مرفأي اللاذقية وطرطوس باتجاه مدينة مرسين التركية، هرباً من الخدمة العسكرية، مشيرين إلى أنّ كل مغادر يخضع للتدقيق والتفتيش طوال أسابيع لدى فرع الأمن العسكري للتأكد من أنّه ليس مطلوباً للخدمة، ومع كل رحلة، يتم اعتقال عشرات الشبان قبيل مغادرة السفينة. ويؤكد الناشطون أنفسهم، أنّ بعض الشبان يعمدون إلى دفع رشى كبيرة، لتأجيل موعد خدمتهم، أو الالتحاق بقوات الدفاع الوطني المحلية والموالية للنظام لتجنب إرسالهم إلى محافظات بعيدة.

وفي الوقت الذي تطوّع فيه بعض شبان المناطق السنيّة للقتال إلى جانب فصائل المعارضة، بات النظام يعتمد على أبناء الأقليات الذين أصبحوا بدورهم غير مقتنعين بهذه الحرب. وذكرت إحدى الوكالات  في تحقيق لها أن النظام يعتمد بشكل خاص على تجنيد الشبان الدروز والمسيحيين والعلويين والإسماعيليين، الذين بدأوا يشعرون بأنهم يدفعون ثمناً باهظاً لدعم بقاء الرئيس السوري بشار الأسد، في السلطة.

وتشدد قوات الأمن جهودها للقبض على الفارين من التجنيد، إذ عمدت، بحسب ناشطين وشهود عيان، إلى نصب حواجز على مداخل المدن في الساحل السوري للبحث عن الشبان المطلوبين للخدمة. كما تصطف عناصر أمنية على أبواب الجامعات للتدقيق في هويات الطلاب. في المقابل، يتقاسم الشبان الحراسة حول منازلهم لتجنب اعتقالهم من قوات الأمن في اللاذقية.

أما محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، فقد شهدت احتجاجات عدة على الخدمة العسكرية، تخلّلتها مواجهات مع قوات الأمن التي تتجنب حتى الآن التصعيد في الردّ على أبناء المحافظة، تحسباً لانضمامهم بشكل صريح إلى مناوئي النظام. وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه قوات النظام توقيف كل شخص مطلوب، تنتظر إقدامه على السفر أو الزواج أو الحصول على أي وثيقة رسمية لإلقاء القبض عليه.

كل الأساليب التي اتّبعها الشباب للهروب من التجنيد، أدّت إلى ارتفاع عدد النساء المتطوعات للقتال إلى جانب قوات النظام، إذ تشجّع السلطات هذه المبادرات لسد النقص في أعداد المقاتلين، الذي أجبرها على إرسال بعضهن إلى جبهات القتال، وعدم الاكتفاء بالعمليات الإدارية واللوجستية، وتفيد مصادر مطلعة بمقتل بعضهن في اللاذقية ودمشق وإدلب.



(العربي الجديد)