Associated News Agency
الأحد 23 نيسان 2017

التواطؤ المريب حول مخطط استعماري

عبد العزيز التويجري*، الإثنين 19 تشرين الأول 2015

لا يمكن بأية حال أن تتوسع روسيا في غزو سورية وتمعن في احتلالها وتواصل عدوانها على الشعب السوري من دون توافق تام مع الولايات المتحدة الأميركية، وبعض الدول الأوروبية النافذة ذات التأثير على الأوضاع في المنطقة. فإذا استبعدنا هذا التواطؤ المريب بين الدولتين العظميين، على تدمير ما تبقى من سورية، إرضاءً لإيران، وإدامة لنظام الأسد الطائفي الدموي. فسنكون أمام مفاجأة مذهلة لا يصدقها العقل السليم، وهي أن الإدارة الأميركية لا تعلم شيئاً عما يجري على الأرض في هذا البلد العربي، وتجهل ما تمارسه روسيا من عدوان كاسح بالتعاون مع قوات النظام الطائفي الاستبدادي المجرم. وهذا احتمال مستبعد تماماً، فعلى رغم أن القرائن تؤكد أن السياسة الأميركية حيال الأزمات المتفاقمة في الشرق الأوسط، تفتقد غالباً شروط الواقعية ومقومات الموضوعية والتقدير السليم لما يجري على الأرض، وهو ما يؤدي إلى فشل هذه السياسة في محطات عدة، لا يمكن أن نتصور أن واشنطن تقف خارج الصراع، وأن روسيا سيدة الموقف واللاعب الرئيس الذي لا منافس له في المشهد السياسي والعسكري. فالرئيس باراك أوباما لا يمكن أن يكون إلا على علم تام بأبعاد السياسة التي ينفذها نظيره الروسي في سورية، إن لم يكن على خطواتها التفصيلية خطوة بعد خطوة. ولذلك فواشنطن لم تفاجأ بالعدوان العسكري الغاشم الذي تشنه الطائرات الروسية المدمرة على المدنيين العزل.

فليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الذي يخوض حرباً ضروساً في سورية ضد شعبها لإنقاذ بشار الأسد بجرائمه ضد الإنسانية، وإنما يتحمّل المسؤولية معه، بصورة أو بأخرى، أوباما الذي كان لتردده في حسم الأمور قبل أن تتفاقم وفي عدم ممارسته لصلاحياته باعتبار بلده دولةً عظمى مسؤولة عن إقرار الأمن والسلم في العالم، الأثر القويّ في تغوّل السياسة الروسية ودفعها إلى احتلال سورية تحت ذريعة الاستجابة لطلب رسمي من حكومتها. وهو المبرر الواهي الذي احتلت به قوات الاتحاد السوفياتي السابق دولة أفغانستان في أواخر السبعينات. وكأن بوتين الذي جعل من نفسه قيصراً جديداً، يعيد التاريخ لإحياء ما يراه هو أمجاداً تاريخية لبلده.

فسورية المنكوبة تقع اليوم بين كماشتي الغزو العسكري الروسي، والتواطؤ المتخاذل الأميركي، ويطوقها من جانب آخر، الاحتلال الإيراني ومساندة العراق له، مع التنظيمات الإرهابية الدائرة في فلكها، مثل «حزب الله» في لبنان الذي أصبح اليوم هو (المندوب السامي) للدولة الإيرانية في هذا البلد العربي الذي يتحكم في سياسته بشكل مطلق. وتلك هي عناصر الأزمة السورية التي لا نبالغ إذا قلنا إنها دخلت المرحلة الأكثر خطورةً منذ اندلاعها قبل نحو خمس سنوات.

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، هو ماذا تريد القوى العظمى، ليس من سورية فحسب، بل من دول المنطقة بصورة عامة؟. إن هناك أكثر من مؤشر إلى وجود توافق على تقسيم سورية أولاً، تمهيداً لتقسيم دول أخرى في الإقليم. وتنخرط إسرائيل وإيران في هذا التوافق، ولكل منهما أهدافه التي يلتقيان عندها، على رغم ما يبدو على السطح من عداء مستحكم بينهما.

إنه مخطط استعماري كامل الأركان، تنفذ روسيا منه الشطر الأول، وتتولى إيران تنفيذ الشطر الثاني بتهجير المواطنين السنّة من مدنهم وبلداتهم وقراهم وإحلال المواطنين الشيعة الذين هم قلة، مع المواطنين العلويين، محلهم. أما الولايات المتحدة، التي قد تبدو في الظاهر أنها خارج هذا المخطط، فإن نفخها المريب في تنظيم «داعش» وإظهاره بمظهر العدو الذي لا يغــــلب، والذي قد تستغرق المعركة للقضاء عليه عدة سنوات، لضمان بقائها في المنطقة، وحتى يكون هذا التنظيم الإرهابي (الفزاعة) التي تخيف دول المنطقة جميعاً، فهي اللاعب الأكبر الذي يخضع للإملاءات الإسرائيلية ويخنع للوبي الصهيوني في الكونغرس.

فأين يقف العرب من هذا المخطط الاستعماري الذي بوشر في تنفيذه أمام أعينهم؟. إن ثمة تباينات في مواقف الدول العربية حيال الأزمة السورية، وإزاء الأزمات التي تعم العالم العربي بصورة عامة. ولكن الدور الذي يمكن أن تقوم به المملكة العربية السعودية في هذا السياق، دور بالغ الأهمية بما لا يقارن بغيره من الأدوار. وللمملكة حضورها القوي في جامعة الدول العربية، بحيث تستطيع أن تدفع بالجامعة نحو اتخاذ القرار المناسب الذي يستلزمه الوضع الخطير المتفجر في سورية على وجه الخصوص، في مواجهة الاحتلال الروسي - الإيراني لهذا البلد العربي الذي يبدو أن القوى العظمى قد تكالبت عليه. وللمملكة حضور متميز ونافذ في ساحة العمل الإسلامي المشترك، بحيث يمكن أن تدفع بمنظمة التعاون الإسلامي إلى اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لمواجهة الأزمة المستفحلة. أليس من المستغرب أن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لم يُسمع لهما صوتٌ ولم يُرَ لهما تحرُّكٌ في هذه الأزمة المنذرة بأوخم العواقب حتى الآن؟

* أكاديمي سعودي



(الحياة)