Associated News Agency
الأحد 23 نيسان 2017

تحقيقات

1 | 2 | 3 |

أهالي شهيدي فوج الاطفاء للإدارة: قتلتم أولادنا

باسكال بطرس، الأربعاء 29 نيسان 2015

حمّل إبن عم العريف محمد المولى إدارة فوج إطفاء بيروت مسؤولية استشهاد البطل»، وقال لـ»الجمهورية» إنّ «هناك نقصاً فاضحاً في تجهيزات سريّة الإطفاء في لبنان » ، لافتاً إلى أنّ «الشهيد بقي 8 ساعات داخل المستودع قبل العثور عليه، فيما توفّي اختناقاً بسبب افتقاره إلى الهواء الكافي بعدما نَفذ منه أوكسيجين القارورة المزوّد بها، والذي يكفي أصلاً لنحو 20 دقيقة فقط». وسأل: «هل يجوز رَمي الشباب المتطوّعين في النار، من دون تزويدهم بالتجهيزات اللازمة والكافية لإنجاز المهمّة بالحدّ الأدنى من الخسائر البشرية؟ ».

عندما قرّرا الإنتساب إلى فوج الإطفاء في بيروت، لم يعرف العريفان عادل سعادة (28 عاماً) ومحمد المولى (25 عاماً)، أنّ حريق مار الياس سيكون الأخير في مسيرتهما التطوعيّة، ليُشكّل شغفهما بإنقاذ إخوتهم في الإنسانيّة، الوسيلة التي أودَت بحياتهما وحطّمت المستقبل الذي لطالما حلما به. ففي سابقة في تاريخ عمليات الإطفاء، سقطا شهيدَي الواجب. ولسخرية القدر أنّ محمد الذي تزوّج منذ نحو ثلاثة أشهر، كان قد أبلغ منذ 24 ساعة من حصول الحادثة بأنّ زوجته حامل. أمّا عادل فكان يتحضّر للزواج بعد فترة .

إلّا أنّ السبب الرئيس لاستشهادهما، بحسب ما أعلنه ذوو الشهيدين وأوساط عناصر الإطفاء لـ«الجمهورية»، يعود الى «التقصير الواضح من قبل قيادة الفوج، في ظلّ النقص في التجهيزات اللازمة التي يجب أن يتسلّح بها عناصر الإطفاء، فضلاً عن غياب الرقابة الضرورية لتأمين أمن المجنّدين في خدمة المواطنين والحفاظ على سلامتهم ».

وفي التفاصيل، انّ شهيدَي فوج إطفاء بيروت لم يتمكّنا من ضبط الحريق الذي اندلع وقضى على كميات كبيرة من الأوراق والمغلفات في مطبعة ومستودع كبيرين يقعان تحت الأرض بمئتي متر، في شارع مار الياس الرئيسي، في مبنى قرب «بنك بيبلوس»، مؤلف من 10 طبقات .

ضَلّا طريق الخروج. حوصِرا بالنيران، نَفذ منهما الأوكسيجين الذي يكفي أصلاً لنحو 20 دقيقة، ففُقدا لوقتٍ طويل قبل أن يُعثر على جثّتيهما في الطابق السفلي من المستودع .

وبحسب معلومات «الجمهورية»، فإنّ محمد نزل الى الطابق الأول تحت الأرض لإخماد الحريق، وضَلّ طريق الخروج في المرة الأولى قبل أن يتمكّن من العودة الى زملائه. ولأنّ ضميره المهني لم يطاوعه، نزل محمد مجدّداً إلى الطابق نفسه ولكنه لم يعد .

أمّا عادل، فيتحدّث سكان الشقق المجاورة عن اندفاعه وحماسته ووقوفه في الصفّ الأول لإخماد الحريق. وها هو يدفع حياته ثمناً لإنقاذ حياة آخرين .
وكانت النيران قد اندلعت نحو الخامسة والنصف من مساء ليل الاثنين الماضي، في مستودع الترك في مبنى ميرا .

وعمل فوج إطفاء بيروت على إجلاء السكان، نظراً الى انبعاث الدخان الكثيف وخوفاً من حالات الاختناق. إلّا أنّ صعوبة المكان وضيقه حالا دون تمكّن رجال الإطفاء والدفاع المدني من محاصرة النيران سريعاً، واستمرّ الحريق لنحو 12 ساعة قبل أن تُحكَم السيطرة عليه صباح الثلثاء، بسقوط شهيدين .

وفيما لا تزال أسباب الحريق مجهولة حتى الساعة بانتظار التحقيقات، أكّد ابن صاحب المستودع رمزي الترك لـ»الجمهورية» أنّ «المستودع مُعدّ للتخزين وليس التصنيع، وهو مطابق للمواصفات»، مشيراً إلى أنّ «الحريق امتدّ بسبب تساقط الكراتين الواحدة تلو الأخرى، ما سَهّل اشتعال النيران ».

غير أنّ الجيران تحدّثوا عن إهمال واضح في شروط السلامة للمستودع، موضحين أنّ «الإنارة وأجهزة الإطفاء والممرّات الآمنة شروط أساسية في كل مستودع، ولكنها غير متوافرة في هذا المستودع»، وهذا ما أكّده أيضاً عناصر فوج الإطفاء الذين دخلوا المبنى لإخماد الحريق .

فيما أشارت معلومات الى أنّ «الضبّاط الذين كانوا يقودون عملية الإطفاء في المستودع، لم يعرفوا بوجود عادل ومحمد في الداخل، واعتبروا لحظة فقدانهما، أنّهما عادا الى منزلهما ».

ونقلت ثلّة من طوارئ فوج إطفاء بيروت جثّة الشهيدين إلى مستشفى المقاصد في بيروت. ومن هناك انطلق الموكب الى منزل كلّ من الشهيدين، بعدما عرّج الى ملعب بيروت البلدي حيث أقام عناصر فوج إطفاء بيروت احتفالاً وداعياً للشهيدين، ليوارى بعدها الثرى في مدافن الباشورة، بالقرب من أحد المراكز الكبرى لفوج إطفاء بيروت .

وفي حديث لـ«الجمهورية»، رفضَ محافظ بيروت القاضي زياد شبيب الدخول في تفاصيل الحادث قبل الانتهاء من التحقيق الذي أمر بتنفيذه، مؤكداً أنه «إذا تبيّن، نتيجة التحقيق، أنّ هناك متورّطين فسَتتمّ محاسبتهم لهذا التقصير الذي تسبّب باستشهادهما ».

وأضاف: «يهمّني أن أشير الى أنّ فوج الإطفاء في بيروت يتمتع بجهوزية عالية لجهة العديد والعتاد، وهو يخضع للتطوير بشكل متواصل نظراً للمهام التي يتولّاها في حماية أرواح سكان العاصمة وممتلكاتهم»، لافتاً إلى أنّ «الخسارة كبيرة جداً ولا تعوّض وخصوصاً للأهالي، لأنّ الشهيدين المولى وسعادة من خيرة عناصر فوج الإطفاء المعروفين بالشجاعة والاقدام، وأفراد عائلتيهما هم بمثابة عائلة كلّ مِنّا ».

ووضعت مصادر متابعة للملف تساؤلات وعلامات استفهام عدّة حول الحادثة: «هل كان هناك إهمال من إدارة فوج الإطفاء في الحادث؟ مَن كان يتابع دخول الأشخاص وخروجهم من المستودع وإليه؟»، مضيفة: «وفق المعلومات فإنّ الشابّين سقط عليهما الكرتون داخل المستودع، وربما لم يتفقّدهما أحد»، سائلة: «هل لدى الداخل والخارج وسيلة اتصال مع رئيس الأمرة، هل تفقّد البعض العنصرَين بعد غيابهما؟ »



(الجمهورية)