Associated News Agency
الجمعة 3 نيسان 2020

نجوم كل الثورات المصرية... في سجون العسكر

أحمد مدحت*، السبت 21 شباط 2015

عقب اندلاع الثورة الشبابية - الشعبية المصرية في ميدان التحرير وسط القاهرة في 25 يناير 2011، تصدَّرت وجوه شبابية كثيرة وسائل الإعلام المختلفة؛ للكلام باسم ما اصطلح على تسميتهم "شباب الثورة"، أولئك الذين أطلقوا شرارة الاحتجاج ضد ممارسات جهاز الشرطة ونظام حسني مبارك. اليوم، بعد مرور أربع سنوات على اندلاع ثورة يناير، تُطِلّ علينا الوجوه نفسها، لكن من خلف قضبان السجون هذه المرة. إنها رسالة السلطة الحالية التي تقول للجميع: لقد تغيَّرت الأوضاع كثيرًا، الثورة امّحت ولم يعد لها مكان في مصر، إلا خلف القضبان، أو في القبور.

المحطات التلفزيونية التي احتفلت باستضافة وجوه كثيرة من "شباب الثورة" على شاشاتها، وقدّمتهم لجمهور المشاهدين الواسع، على أنهم المُعبِّر عن روح الشباب والثورة على نظام مبارك، وإجباره على التنحي، وبوصفهم رموزًا لتحدي الاستبداد والبطش والقمع؛ إن هذه الشاشات نفسها صارت مهمتها الرئيسية اليوم تشويه تلك الرموز وكسر هيبتها. وقد يكون هذا مرآة لموقف عام من فكرة الثورة التي بها ارتبطت تلك الوجوه والأسماء، وارتبط ظهورها في وسائل الاعلام. الاغتيال المعنوي الذي يتعرض له الشبان، لا يقل وطأة عن قهر السجون؛ وخصوصا إذا كان ما يجري هو اغتيال حلم كبير من خلال اغتيال رموزه. من هذه الرموز الشابة السجينان علاء عبد الفتاح وأحمد دومة.

التنّين الالكتروني

عندما تتأمل قليلًا في مسيرة علاء عبد الفتاح، يبدو لك جليًا أن عمل "المبرمج الالكتروني" الذي اختاره لنفسه "التنّين البمبي" - وهذا اسم عبد الفتاح على مدوّنته الالكترونية - ليس على سبيل المصادفة. فالمدوّن والناشط السياسي، اختار مجالًا مهنيًا ووظيفيًا ينتمي الى عالمه، عالم الأنترنت الرحب الذي سيصبح في ما بعد ملعبه وفضاءه الحر ومجال نضاله الخصب، قبل أن ينقل نضاله إلى أرحام الشوارع، برفقة من انسلّوا إلى الشوارع والميادين في يناير 2011 وقبله، ليكتمل بذلك أخيرًا حلم السعي الى الحرية.

حماسةٌ لا تنضب، قدرة متميزة على التكثيف الشجاع في طرح الأفكار والأحلام. هذا ما قاد علاء عبد الفتاح الى معاركه الشرسة في مواجهة خصومه: القمع، الذل، والمهانة. إيمان تجريبي بالثورة، وفق مفهومها الواسع، لتكون ثورة سياسية، متكاملة مع حراك مجتمعي للخروج على قيم الاستبداد المتجذرة في المجتمع. هذا هو الانطباع الذي تخرج به بعد متابعة مسيرة "التنّين البمبي".

تعرَّض للاعتقال في عصر مبارك، وأثناء حكم المجلس العسكري الذي تسلّم السلطة عقب تنحّي مبارك. وفي عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، ممثل جماعة "الأخوان المسلمين"، اعتقل أيضًا، وها هو الآن يقبع في سجون النظام الذي يقوده رئيس الجمهورية، والمخابرات سابقًا، عبد الفتاح السيسي، ابن المؤسسة العسكرية. كأنما كُتب على مصر ألاّ يحكمها إلاّ العسكر أو "الأخوان". تعاقبت الحكومات، واختلفت الوجوه، لكنها جميعا اتفقت على سجن هذا الشاب؛ ليصبح سجين كل المراحل، وابناً لسجين سابق أيضًا.

الخفّة الساخرة

"التنّين البمبي" الذي اشتهر به مبرمج الكومبيوتر، والناشط السياسي علاء عبد الفتاح عبر الانترنت، وعلى مدوّنته التي تحمل الاسم نفسه، ابن شرعي لعالم الانترنت، برحابته وتدفقه وتجدده، ومن خلاله رأى العالم، وحلم بنقل تلك المساحة الحرَّة الى الواقع والشوارع وحياة الناس اليومية.

كانت مدوّنته من أشد منصّات الهجوم على ممارسات جهاز الشرطة ونظام مبارك ورموزه، مستخدمًا في ذلك لهجةً حرّيفة، تحمل تلك الروح الخفيفة الساخرة، التي تضرب الطاغية في كبريائه، والتي ستُظهِر في ما بعد الطابع المميّز لجوهر الجيل المصري الشاب. وهو الطابع الذي بلغ ذروة تجلّيه في اعتصام الثمانية عشر يومًا في ميدان التحرير، قبل أربع سنوات.

عائلة حقوق الانسان

علاء عبد الفتاح هو نجل المناضل اليساري والمحامي الحقوقي ذي التاريخ المشرِّف أحمد سيف الإسلام، الذي كان مديرا لـ"مركز هشام مبارك"، الأول من نوعه في مصر، للأعمال القانونية والدفاع عن حقوق الانسان. أم علاء هي ليلى سويف، أستاذة الرياضيات في كلية العلوم - جامعة القاهرة. تاريخها حافل، كأستاذة جامعية، بسجلٍّ نضالي مُشرِّف في سبيل تحقيق استقلال كامل للجامعة، بعيدًا من الأطر الضيّقة المفروضة من السلطة.

مات الأب، أحمد سيف الإسلام، في المستشفى قبل شهور، محرومًا من صحبة ولديه، علاء وسناء. فالسجن حرمهما من الوقوف الى جوار والدهما في أيامه الأخيرة، بينما كانت أختهما منى، ولا تزال، تلعب دورها في الوقوف خلف كل معتقل في سجون النظام. وهو الدور الذي اختارته لنفسها منذ مشاركتها في تدشين حملة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين" في 2011.

على خطى "داعش"

على خطى تنظيم "داعش"، وفي واقعة تذكّرنا بالفيلم المتقن الذي بثّه توثيقًا لجريمة إحراق الطيّار الأردني معاذ الكساسبة حيًا، بثّت وسائل الإعلام المصرية الموالية لنظام عبد الفتاح السيسي، بكثافة غير معهودة، صورًا لجلسة محاكمة السجين علاء عبد الفتاح الأخيرة. أطلّ علاء على العالم في مظهر شديد الاختلاف عما اعتاده عليه من عرفوه وتابعوه: لقد جفَّ جسده، وأرهقه الإضراب عن الطعام، ووطأة القهر والحزن والألم.

صورته لم تكن تقلّ وطأة عن مشهد إحراق الطيّار الأردني حيًا. وكادت أن تمحو من ذاكرتي صورة علاء حين رأيته لمرة وحيدة في الإسكندرية، العام 2013، أمام محكمة المنشيّة، آتيًا من القاهرة، للمشاركة في الاحتجاج على جلسات محاكمة الناشط الإسكندراني حسن مصطفى. يومذاك رحت أراقبه من بعيد، ناظرًا اليه وسط زحمة المحتجين. لفتني فيه نشاطه، حيويته، وقدرته على التواصل مع أكتر من 5 أو 6 أشخاص دفعةً واحدة، فيما هم يكلّمونه في وقت واحد. بريق الحماسة والشغف والإصرار والغضب الملتمع في عينيه، كان مرآةً لروحه القلقة المتحفزة.

لقد اختفت تلك الحماسة، ومعها الإصرار والشغف، ولم يُبقِ السجن ومرارته في نظرة العينين المرهقتين والجسد الهزيل، سوى الغضب المكتوم والالم.

لقد تعمّدت سلطة عبد الفتاح السيسي أن تُنشَر صور علاء في تلك الجلسة، بعدما جفّ جسده، وأرهقه الإضراب عن الطعام والظلم والحزن. كل المواقع الموالية للنظام نشرت صوره بكثافة أثناء الجلسة، متّبعةً الاستراتيجيا "الداعشية" نفسها التي اتُّبعت في تصوير عملية إحراق الطيار الأردني، بأعلى التقنيات، لإرهاب العالم. كأن السلطة المصرية وإعلامها يقولان للمصريين: هذا مصير رمز من رموز قياداتكم. هذا رمز عنادكم. أليس هو من كان يتجرأ على انتقاد أكبر رأس في البلد، من دون خوف؟! أنظروا اليه الان، انظروا الى شكله وحاله، حدّقوا في عينيه. هل تعرفونه، هل هو نفسه بطلكم، بعدما سجنّاه، وحرمناه من الحرية، وسجنّا أخته، وحرمناه من مرافقة أبيه في أيامه الأخيرة، قبل رحيله؟

الصورة هذه ليست موجهةً ضد علاء عبد الفتاح أو أسرته، بل هي رسالة موجهة الى جيل كامل، الى مصر كلها. رسالة، الغرض منها كسر إرادة المصريين، وكل مَن خرج الى شوارع مصر في السنوات الاخيرة. كأن الدولة، بنشرها صور علاء عبد الفتاح بتلك الكثافة، وهو على هذه الحال من البؤس والتعاسة والقهر، تسير على خطى الإرهاب "الداعشي"، قائلةً لنا: ها هي ذي حال رمز عنادكم! لكن هناك من الشبّان من يقول: لن ننكسر... أحرقونا أحياء؛ سيكون ذلك أكثر جدوى.

"هيباتيا" الإسكندرية

لا تزال السلطة المصرية تجاهد لمحاصرة العصفور بين أسوار السجون والمحاكم، غير مدركة أن "هيباتيا" الصغيرة أقوى من أحلام المستبدين. هيباتيا هو الاسم المتداول لماهينور المصري، التي تحمل من الإسكندرية سحرها القديم الهادئ، ومن بحرها عناده، وصبره على الشدائد.

لا أتذكّر تاريخ اليوم بالتحديد، لكني أتذكّر جيداً أنها كانت التظاهرة الأولى التي أشارك فيها في حياتي. كانت حلقة عسكر الأمن المركزي قد بدأت تحاصرنا أثناء وقوفنا قرب محكمة المنشيّة في الإسكدرية. الغضب المشتعل في صدور الواقفين يخرج جلياً مع هتافاتهم ضد الداخلية وسياساتها القمعية؛ التي نتج منها استشهاد الشاب خالد سعيد.

وصلت حدّة الهتاف إلى الهجوم على مبارك بشخصه، بعدما مرَّ بحبيب العادلي، وزير الداخلية آنذاك. "يسقط يسقط حسني مبارك". أسمع الهتاف يدوّي واضحاً. صوت أنثوي ثابت، قادم من موضع القلب من الوقفة الاحتجاجية. أرفع رأسي لأرى مَن التي يهتف. أرى فتاة سمراء نحيلة، عقدت شعرها الأسود على شكل "ذيل حصان". مظهرها العام يوحي بالجدية والعملانية الشديدة في اختيار ملابسها. بدت فتاةً جميلة تقف في ميدان الغضب والمجابهة. وتدرك ذلك جيداً، وتعلم أن الأناقة لا تناسب ما هي فيه.

التفتُ لأسأل صديقي الذي اصطحبني إلى التظاهرة: مين البنت الّلي بتهتف دي؟ مال صديقي على أذني، اختلط صوته بضجيج الوقفة والهتاف: دي ماهينور، ماهينور المصري. هتشوفها في أي وقفة ضد النظام في الاسكندرية... بنت بـ 100 راجل زيّ ما بيقولوا.

لم تكن أصداء الاستنكار الشديد التي صاحبت سجن ماهينور المصري مفاجئة. فالمحامية الحقوقية الشابة (29 عامًا) لم تترك مظلومًا في الإسكندرية من دون أن تساعده. لذا جاءت الانتفاضة في مدينتها ضد اعتقالها، على قدر ما بذلته من جهد في سبيل الوقوف ضد كل ظلمٍ تراه. باتت في البرد بين العمال المعتصمين في 2008، وهي ابنة الطبقة البورجوازية التي لا ينقصها المال، وسجلّها المهني كمحامية يحفل بمشاهد مشرّفة في خدمة القضايا العمالية والحقوقية المختلفة، بعدما صارت مقصد كل مَن له معتقل يحتاج للمساعدة في الإسكندرية.

ماهينور المصري، المحامية والناشطة الإسكندرانية، عضوة حركة "الاشتراكيين الثوريين"، التي كانت من أوائل النشطاء الذين ساهموا في كشف قضية خالد سعيد، شهيد التعذيب، الذي صار في ما بعد أيقونة الثورة المصرية. تحت شعار "كلنا خالد سعيد".

ماهينور الآن خارج السجن، بعدما أمضت داخل أسواره قرابة سبعة أشهر. كانت المحكمة قد قضت بسجنها لمدة عامين وتغريمها 50 ألف جنيه؛ بتهمة خرق قانون التظاهر في أيار 2014، قبل أن تحكم المحكمة بتخلية سبيلها في كانون الأول الماضي، إلى حين بتّ القضية نهائياً. ترجع حوادث القضية الي آذار 2013، في عهد محمد مرسي، وأحيلت على المحكمة في عهد الرئيس الموقت عدلي منصور، المتهم فيها أيضاً، يوسف شعبان ولؤي القهوجي، ومجموعة من نشطاء الإسكندرية البارزين.

قوة الاحتجاجات في الاسكندرية ساهمت في إخراج ماهينور من السجن. طاقة الأمل التي تحملها في قلبها، أكبر من أن تستوعبها جدران السجون. معصما هذه الفتاة الرقيقة لا يقبلان أصفاد المعتقل. وصوتها الذي تعوّد الهتاف للحرية، لا يقبل أوامر الخرس.

ستّ البنات

"ستّ البنات": هكذا وصفتها وسائل الإعلام بعدما تعرّضت للسحل والتعرية والاعتداء والضرب المبرح من قوات الأمن المصري في حوادث مجلس الوزراء 2011. الواقعة دانها المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، وأطلقت حالة من الغضب سيطرت على معارضي المجلس العسكري في ذلك الوقت.

لكن هند نافع أصبحت المتهمة والجانية، بعدما حكم عليها القضاء بالمؤبد اليوم. وفي أول تعليق لها على هذا الحكم وجهت الناشطة نافع، رسالة تعقيب على الحكم الصادر عليها غيابياً، وحضورياً على الناشط أحمد دومة، في حوادث مجلس الوزراء العام 2011. شمل الحكم أيضًا 230 ناشطًا وناشطة من شبان الثورة وشاباتها: السجن المؤبد وغرامة 17 مليون جنيه.

السحل والمحاكمة

نشرت نافع في صفحتها على الـ"فايسبوك" صورة لها وهي مكبلة في سرير مستشفى القوات المسلحة بكوبري القبة، بعد اعتداء قوات الأمن عليها إبان حكم المجلس العسكري في 2011، وكتبت: "الصورة دي إهداء للقاضي محمد ناجي شحاتة اللي حكم عليَّ النهار ده أنا و229 غيري بالمؤبد عشان نزلنا مظاهرة وهتفنا: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وبدل ما يتحاكم الضباط اللي سحلوني وعرّوني واتحرّشو بيا ودمّروا مستقبلي، اتحكم عليَّ أنا بالمؤبد. أنا اللي تعرّيت واتضربت واتسحلت في شارع القصر العيني يا سيادة القاضي! أنا اللي الضابط كان بيمسك الكاميرا في وشّي ويقولّي اشتمي نفسك بأقبح الألفاظ. ولو ماشتمتش نفسي وانا ببتسم يكهربوني! أنا اللي خيّطوا 50 غرزة في جسمي من غير بنج كمالة التعذيب. أنا اللي كلبشوني في السرير في المستشفى ومنعوا عني الدواء عقابا على طردي رئيس المجلس العسكري محمد طنطاوي، لما زارني في المستشفى. أنا اللي مستقبلي اتدمر وعلاقتي مع عيلتي اتدمرت بسبب اللي حصلّي. أنا اللي اتحكم عليَّ بالمؤبد وهما اللي بيحكمو البلد. كلمة أخيرة يا سيادة القاضي محمد ناجي شحاته: انت في حد ذاتك اهانة للقضاء. وعلى فكرة، ظلمكم لينا بيقوّينا ومش هنبطّل نطالب بحقوقنا ولا هتقدرو تخرسونا".

الفتيات التسع

اشتهرت هند نافع، كإحدى مُصابي حوادث مجلس الوزراء، بعدما امتنعت عن لقاء المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011، أثناء زيارته لمصابي الحوادث آنذاك. هي واحدة من 9 فتيات كنّ معها في المستشفى، متهمات في حوادث مجلس الوزراء: عبير سعيد محمد مصطفى، سمر محمد سعد أبو المعاطي، مروة سيف الدين سيد، يسرا صلاح عيد متولي، رشا خالد جاد عبد الموجود، نعمة علي سعيد مسلم، هند نافع بدوي نافع، هدير فاروق عبد العزيز بيومي، وسارة علي محمد السيد.

قبل أيام قضت محكمة جنايات القاهرة، في رئاسة المستشار محمد ناجي شحاتة، بالسجن المؤبد على هؤلاء الفتيات، وكذلك على الناشط السياسي أحمد دومة و229 آخرين، وتغريمهم متضامنين، مبلغ 17 مليون جنيه. كما قضت المحكمة نفسها بالسجن 10 سنين لـ39 متهمًا آخرين.

النشطاء جميعا قابلوا الحكم بحملة غضب كبيرة ظهرت على مواقع التواصل الإجتماعي، متسائلين: كيف يكون الضحايا جناة؟! وشككوا في استقلال القضاء رافضين الحكم جملةً وتفصيلاً ومطالبين بمحاكمة مَن وصفوهم بـ"الجناة الحقيقيين" من قوات الأمن التي عذّبت النشطاء وسحلت الفتيات.

صار أهل البلد جميعًا مهددين بالسجن والاعتقال، حتى ولو كانوا من حلفاء السلطة السابقين. هذا ما تخبرنا به قصة أحمد دومة وسجنه.

سأل الفتى النحيل - ذو الجسد الهزيل الذي أنهكه المرض وإضرابه طويل عن الطعام - موجِّهًا كلامه إلى قاضي المحاكمة ناجي شحاتة: حضرتك عندك حساب على موقع الـ"فايسبوك"؟ اعتبر القاضي سؤال الشاب إهانة للمحكمة، وانتقاصاً من هيبتها؛ فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة إهانة المحكمة.

ليست هذه هي العجيبة الوحيدة في محاكمة الناشط السياسي والكاتب الصحافي أحمد دومة. شابَ إجراءات المحاكمة الكثير من العور، الذي وصل إلى حد "المهزلة القانونية"، كما علّق الكثير من الحقوقيين ومن متابعي تفاصيل محاكمة دومة الذي حُكم عليه أخيرًا، بالسجن المؤبد وغرامة 17 مليون جنيه، في قضية حوادث مجلس الوزراء.

"تمرد" من السجن

في 13 كانون الثاني 2012، قرر قضاة التحقيق حبس الناشط دومة 15 يومًا على ذمة تحقيقات حوادث مجلس الوزراء. وفي 9 ايلول من العام نفسه، قرر القضاة تخلية سبيل دومة في عهد المجلس العسكري.

من خلف القضبان وقّع دومة استمارات "تمرد" لإسقاط حكم الرئيس المعزول محمد مرسي. لم يستطع المشاركة في تظاهرات 30 تموز 2013، وتم الإفراج عنه بعد عزل مرسي، قبل إكماله العقوبة.

عاد دومة مرةً أخرى إلى السجن في نهايات العام 2013 في عهد الرئيس الموقت عدلي منصور، بعد مشاركته في تظاهرة أمام مجلس الشورى لرفض محاكمة المدنيين عسكريًا.

شارك الناشط في معركة "الأمعاء الخاوية" التي قادها معتقلون في السجون للمطالبة بالإفراج عنهم، وإلغاء قانون منع التظاهر. لكن ذلك لم يغيّر من الواقع شيئًا. طالب حقوقيون بالإفراج عن دومة ومعتقلي قانون التظاهر، كما طالب بعضهم الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعفو عن دومة والنشطاء السجناء، بعد اعلان السيسي عزمه على الإفراج عن سجناء في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير.

سجّل الناشط السياسي أحمد دومة (25 عامًا)، رقمًا قياسيًا في عدد المرات التي دخل فيها السجن: أكثر من 18 مرّة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، والمجلس العسكري.

فالناشط الذي شارك في الثورة على نظام مبارك وعارض المجلس العسكري ومحمد مرسي،  ظل ضيفًا دائمًا على السجون. من نظام مبارك، مرورًا بالمجلس العسكري ومرسي ومنصور، وصولاً الى نظام السيسي، طاردت دومة الاتهامات بالتحريض على العنف، ومحاولة إسقاط نظام الحكم. وهو يُعدّ المثل الأبرز على أنه لم يعد أحدٌ في مأمن من ضربات السلطة التي كان مؤيدًا لانقلابها على سلطة "الإخوان المسلمين".

* كاتب ومدوِّن مصري



(النهار)