Associated News Agency
الجمعة 3 نيسان 2020

هكذا قتلوا الحريري، وظهر نصر الله للدفاع عنهم (3)

تعريب صوفي شماس، الجمعة 13 شباط 2015

التعريب الكامل لمقال “نيويورك تايمز” عن دور مغنية باغتيال الحريري (الجزء الثالث)

    الاتهام

 في العام 2009، أيقن فريق الأمم المتحدة أنه لن يتمكن من تحقيق مزيد من التقدم داخل لبنان. فوضّب جميع الأدلة، بما في ذلك بقايا ست سيارات محترقة، نقلها على طائرات شحن إلى هولندا. أنشأ مجلس الأمن المحكمة، وتم دمج فريق التحقيق مع فريق الادّعاء في المحكمة.

استمر “حزب الله” في تعنّته. في 12 كانون الثاني 2011، طالب “حزب الله” سعد الحريري، نجل رفيق الحريري ورئيس وزراء لبنان في تلك الفترة، رفض أعمال المحكمة. عندما رفض عقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، انسحب وزراء “حزب الله” من الحكومة ما أدى إلى انهيارها. وقف لبنان مرة أخرى على حافة حرب أهلية، وتوقع الخبراء أنه في حال صدرت لوائح اتهام، فإن “حزب الله” لن يرتدع. انتقل العديد من القادة العرب إلى بيروت لتهدئة الوضع ونجحوا في ذلك… لفترة قصيرة على الأقل.

في وقت لاحق من ذلك الشهر، أصدر رئيس النيابة العامة، دانيال بلمار، لائحة اتهام لكنه لم يكشف عن أسماء المتهمين. في حزيران، كشف عن أربعة أسماء. (وُجه الاتهام إلى مرعي في العام 2013). بينما كان يتم وضع اللمسات الأخيرة على لوائح الاتهام، أرسل فريق من الأمم المتحدة مذكرات اعتقال إلى الحكومة اللبنانية، وأصدر الانتربول مذكرات “إنذار أحمر” في نفس الوقت. لم يكن الأمر مفاجئا عندما أعلنت السلطات اللبنانية أنها لا تستطيع القبض على المشتبه بهم. فوجه موظفو المحكمة انتقاداً حاداً – في مقابلات غير رسمية،  ودبلوماسياً، عبر وثائق رسمية – إلى الحكومة لعدم قدرتها على السيطرة على “حزب الله.

وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها المحكمة، في وقت ما من العام 2009، عندما علم “حزب الله” بحجم الأدلة المتعاظم ضد عناصره، أوعز له حسين مهداوي، ممثل قائد الحرس الثوري الايراني في لبنان، بإخفائهم عن الأنظار، أو حتى محاولة محو آثارهم نهائياً. الشخص الوحيد الذي لم يمتثل لهذه التعليمات كان بدر الدين الذي رفض التخلي عن نمط الحياة الفاخرة، واستمر في استخدام هوية سامي عيسى.

مقابل جميع المظاهر العبثية للمحاكمة الغيابية لمنفذي عملية الاغتيال، نجح التحقيق والمحاكمة في التسبّب بأضرار كبيرة لـ”حزب الله”. فقد كشف التحقيق هويات بعض العناصر القيادية، وسوف يحتاج هؤلاء الرجال إلى مواصلة اتخاذ تدابير إضافية ليبقوا في الخفاء. اقتنع موظفو المحكمة أنه بسبب التحقيقات التي أجرتها، توقف “حزب الله” بالفعل عن استخدام شبكات الهواتف العامة وتحول إلى شبكات الهواتف المغلقة، وهي خطوة جعلت وظائفه التشغيلية غير عملية وأكثر تعقيداً.

 على المدى الطويل، تم اختراق مكانة “حزب الله” داخل لبنان من خلال هذه الادّعاءات. منذ نشأته، قدّم التنظيم نفسه على أنه يعمل لمصلحة جميع اللبنانيين، وليس الشيعة فقط. لكن الآن تعرض المحكمة دلائل ساحقة، وإن كانت ظرفية، على أن “حزب الله” قتل السياسي الأكثر أهمية في لبنان، وقتل بشكل عشوائي العديد من المواطنين في هذه العملية.

يبدو أن نصر الله، زعيم الجماعة، أدرك هذه المشكلة، لأنه بعد أن صدرت لوائح الاتهام، بدأ على الفور مهاجمة المحكمة بكل قوته. منذ حرب “حزب الله” مع إسرائيل في العام 2006، لم يعد نصر الله يغادر مخبأه في جنوب بيروت ولا يظهر في مناسبات عامة إلا نادراً،  خوفا من القتلة الإسرائيليين وطائراتهم من دون طيّار. في 2 تموز، بعد أيام قليلة على كشف أسماء أول المشتبه بهم الأربعة، ظهر نصر الله وألقى خطاباً طويلاً، بثته محطة التلفزيون التابعة له، “المنار”. “لقد تم اتهام الرجال الأربعة ظلماً”، قال نصر الله. وأكد أن المتهمين كانوا بالفعل عناصر في حزبه، وهم رجال “لديهم تاريخ مشرف في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”، وهدد بـ”قطع يد” أي شخص يحاول إلقاء القبض عليهم. وقال إن المحكمة بكامل هيئتها، هي “مؤامرة أميركية إسرائيلية” ومليئة بـ”الفساد المالي والأخلاقي”. إنها باطلة: “نحن نرفضها، ونرفض هذه الاتهامات غير الصحيحة والأحكام الباطلة التي ستصدر عنها، ونعتبرها عدواناً علينا وعلى مقاتلي المقاومة، وظلما ضد شرف هذه الأمة”. طالب ممثلو “حزب الله” البرلمان وقف مساهمة لبنان في تكاليف المحكمة بلهجة لا تخلو من التهديد: “وإلا فإن الأمر سيكون خطيرا للغاية.

بدا محامو الدفاع عن المتهمين أكثر حذراً، واعتمدوا التركيز على المشكلة الحقيقية المتمثلة في الدفاع غيابياً عن متهمين في قضية ظرفية تماماً. “هذه محكمة صورية، وهذه قضية خيالية”، قال فيليب لاروشال، عضو آخر في فريق الدفاع: “ليس لدينا إمكان الوصول إلى وكلائنا، ولا يمكننا تقديم دليل براءة. كل ما يمكننا القيام به هو إسقاط  نظرية المدعي العام ” وهي نظرية، ترتكز على تقنيات تحقيق غير مؤكدة، بما في ذلك “الموقع المشترك” و”تحليل الرابط.

واصلت المحكمة أهدافها السامية بشكل ناقص، وها أنا أصل إلى نهاية عملي على هذا المقال، بعد سنة كاملة من الأبحاث، والمقابلات في سبعة بلدان، ودراسة آلاف الصفحات من الأدلة وبروتوكولات المحكمة، يسيطر على تأملاتي تفكيري بالضحايا، ولا سيما أحمد أبو عدس. لقد كان في الثانية والعشرين من عمره في العام 2005. شاب طيب القلب، ساذج، كل ما أراده هو مساعدة شخص اعتقد أنه صديق، على تعلّم الصلاة. بدلاً من ذلك، أو كما تشير الأدلة، وقع ضحية فخ لا يوصف – أُجبر على تسجيل شريط انتحاري وألقي فيما بعد في حفرة، من دون اسم، ومن دون معالم.



(موقع القوات اللبنانية)