Associated News Agency
الجمعة 3 نيسان 2020

هكذا قتلوا الحريري، لولا وسام عيد لما كُشفوا (2)

تعريب صوفي شماس، الجمعة 13 شباط 2015

التعريب الكامل لمقال “نيويورك تايمز” عن دور مغنية باغتيال الحريري (الجزء الثاني)

الهواتف

تحول اهتمام المحققين إلى سجلات الهاتف المحمول. استناداً إلى عمل عيد، جزموا بأن القتلة كانوا يعملون وفق مجموعات، لكل مجموعة قائد وهي تتقيد بإجراءات محددة. الجميع في المجموعة يتصلون بالقائد، وهو يتصل بكل عنصر في المجموعة، لكن العناصر لا يتصلون أبداً ببعضهم البعض.

حدّد المحققون كل مجموعة بلون. تألفت المجموعة الخضراء من 18 هاتف Alfa ، تم شراؤها بهويات مزورة من متجرين في جنوب بيروت في تموز وآب 2004. لم يكن هدف الهويات المزورة التهرّب من دفع بطاقات التشريج  Alfa، ففي كل شهر منذ أيلول 2004 حتى أيار 2005، كان يذهب شخص إلى أحد مكاتب “ألفا” ويدفع فواتير الـ18 هاتف كلها نقداً، من دون أن يقدم أي دليل يثبت هويته. بلغ مجموع فاتورة هواتف المجموعة الخضراء، بما فيها رسوم التشغيل 7،375 دولاراً أميركياً – مبلغ مذهل، باعتبار أن 15 هاتفاً من هواتف المجموعة الـ18 لم يتم استخدامها تقريباً.

ظهرت أول إشارة لنشاط الاتصالات في أيلول 2004، فور إعلان الحريري استقالته. يؤكد المحققون أن المجموعة الخضراء منخرطة في المؤامرة.  يعود رقم الهاتف 3140023 إلى القائد الأعلى، والرقمان 3159300 و3150071 إلى نائبيه. (يتصل بهما ويتصلان به، لكن بواسطة هذين الرقمين لا يتصلان ببعضهما أبدا). يحمل النائبان هواتف تعود إلى مجموعات أخرى، يمرران من خلالها تعليماتهما إلى المشاركين الآخرين في العملية. عندما يرغب أحد العناصر في الاتصال بقائد مجموعة، يتابع قائد المجموعة الاتصال عن طريق التحويل إلى هاتف أخضر ويتصل بالقائد الأعلى، الذي يوجد في أغلب الأحيان في جنوب بيروت، حيث مقرات “حزب الله.

في 20 تشرين الأول 2004، عندما استقال الحريري من منصبه وتم تخفيض عدد حراسه بشكل ملحوظ، انخرطت المجموعة الزرقاء في العملية. كانت هذه المجموعة تعمل أصلاً وفق القواعد نفسها التي تعمل بموجبها المجموعة الخضراء، لكن عضويتها المنتجة ارتفعت من ثلاثة إلى 15 هاتفاً، بينها 7 هواتف متصلة بشركة Alfa و8 هواتف متصلة بشركة MTC Touch. يتم دفع جميع الهواتف الزرقاء وفق نظام الدفع المسبق. تم شراء بعضها في وقت مبكر من العام 2003، وشهدت استخداما ضئيلاً أو معدوماً. قدّم الأشخاص الذين اشتروا هذه الهواتف هويات مزورة أيضاً. مرة أخرى، يبدو أن إمدادات المال وفيرة، فالدقائق التي تنتهي صلاحية استخدامها في كل شهر لا يتم استخدامها إلى حد كبير، لكن يعاد تحميل الهواتف مراراً وتكراراً. عندما توقفت هذه الهواتف عن العمل، بلغت قيمة الدقائق المتبقية 4،287 دولاراً أميركياً.

يقول المحققون إن المجموعة الزرقاء تعقبت تحركات الحريري. في صباح العشرين من تشرين الأول كانت عناصرها منتشرة في محيط قصر قريطم. عند الساعة 10،30 صباحاً، توجه الحريري إلى البرلمان ومن ثم إلى القصر الرئاسي، حيث كان لحود ينتظره لتسلم استقالته. التقطت أبراج الهاتف إشارات هواتف عناصر المجموعة الزرقاء وهم يتحركون معه ويتصلون بقائدهم. منذ ذلك الحين، تعقبت الهواتف الزرقاء أثر الحريري في كل مكان تقريبا – إلى البرلمان، إلى اجتماعاته مع القادة السياسيين، إلى مآدب الغداء الطويلة في نادي اليخوت والمارينا في السان جورج.  عندما كان الحريري موجودا في منزله، كانوا موجودين هناك أيضا. عندما كان يسافر إلى الخارج، كانوا ينتقلون معه حتى المطار، ثم يتوقفون عن العمل حتى عودته، ويقتفون أثره مجدداً.

في النهاية، أضيفت المجموعة الصفراء وبدا أن عناصرها الـ12 كانوا يتشاركون مهمة المراقبة مع المجموعة الزرقاء. عندما كان الحريري يقضي عطلته مع عائلته في فقرا في نهاية أيلول 2004، كانت الفيلا تحت المراقبة المستمرة من قبل كل من المجموعتين الزرقاء والصفراء، وكانت الاتصالات متواصلة بين المجموعتين وقادتهما في جنوب بيروت والعكس بالعكس. من خلال الطريقة التي كانت الهواتف الصفراء تتحرك فيها، بدا أن مستخدميها يدرسون التحركات المعتادة للحريري والمواقع المحتملة لتنفيذ الهجوم. أياً يكن من خطط لهذا الهجوم، فقد رصد له وقتا للقيام ببحث دقيق.

في 25 كانون الثاني، غادر عنصران من المجموعة الزرقاء مدارهما المعتاد إلى حي البداوي في طرابلس. من خلال جولة أخرى من جولاتهما النادرة في طرابلس، علماً أن هناك شاحنة ميتسوبيشي كانتر ذات صندوق مسطح معروضة للبيع منذ أواخر كانون الأول. دخلاً إلى المعرض للتفاوض مع البائع، ثم خرجا بعد بضعة دقائق ليتصل أحدهما بقائده في بيروت، للحصول ربما على موافقة لسعر الشراء، وتم إنجاز الصفقة بعد ذلك.

تقول النيابة العامة إن المجموعة الأرجوانية، هي التي اهتمت بعملية الغطاء.  حدّدت هذه المجموعة موقع أبو عدس، واستدرجته للذهاب ورؤية “المفاجأة” التي وعده بها “محمد”، وجعلته يتلو بيان الانتحاري أمام كاميرا الفيديو، ومن ثم قتلته على الأرجح وتخلصت من الجثة. عندما تم تحديد هذه الأحداث في الزمان والمكان، تزامنت تماماً مع تحركات المجموعة الأرجوانية.

قبل أيام فقط من الاغتيال، اشترى شخص بطاقة الهاتف المدفوعة مسبقاً والتي تم استخدامها للاتصال بقناة “الجزيرة”، فضلاً عن “رويترز”، من أربعة هواتف عمومية، كانت واحدة منها بالقرب من الشجرة التي وضع فيها شريط أبو عدس الذي أعلنت فيه منظمة “النصرة والجهاد” في بلاد الشام مسؤوليتها عن عملية الاغتيال. يتزامن موقع الهواتف المحمولة الأرجوانية مع موقع الهواتف العمومية في الوقت الذي أجريت فيه هذه المكالمات.

كانت مجموعة الهواتف المحمولة الأخيرة التي دخلت حيّز العمل المجموعة الحمراء. يعتقد المحققون أن هذه الهواتف تعود إلى الدائرة الضيقة لفريق مراقبة الحريري في الأيام التي سبقت عملية الاغتيال – وإلى الانتحاري الفعلي.

 ربما لم يفكر القتلة أن شخصا مثل عيد، الذي يتحلى بمهارات غير عادية، أو أن فريق التحقيق الدولي، الذي يمتلك موارد غير عادية، قد ينجح، في النهاية، في كشف تحركاتهم في الأشهر الأخيرة التي سبقت عملية الاغتيال، لكنهم بدوا أنهم يتصرفون كما لو أنهم أخذوا في عين الاعتبار أن شخصا قد يتحقق من حركة مسار الهاتف المحمول بالقرب من فندق السان جورج في يوم الهجوم.

في هذه الحالة، أيضاً، تماما كما هو الحال في اختيارهم للشاحنة، بذل القتلة جهداً لتوجيه المحققين نحو المنطقة السنيّة في طرابلس. فقد تم شراء بطاقات الهواتف الثمانية المدفوعة مسبقا العائدة إلى المجموعة الحمراء من هناك بين أواخر كانون الأول 2004 وأوائل كانون الثاني 2005. تم تفعيلها في نفس الوقت، أيضا في طرابلس، في 4 كانون الثاني، وبدأ مستخدموها التحدث مع بعضهم البعض بعد 10 أيام عندما ارتفع نشاط مراقبة الحريري عبر الشبكة. في 2 شباط، قبل 12 يوم من الهجوم، انتهت صلاحية الدقائق على الهواتف. فحملها أحد الأشخاص من بيروت وقطع 50 ميلا إلى طرابلس لتفعيلها هناك  – حيث سجل برج الهاتف الحمول موقعها – قبل إعادتها وتسليمها إلى مستخدميها في بيروت. خلافاً لجميع الهواتف المحمولة الأخرى المشاركة في العملية، لم يتم أبدا استخدام الهواتف الحمراء في ضاحية بيروت الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، أو حتى لم تؤخذ إلى هناك أثناء تشغيلها.

منذ تاريخ تفعيل هواتف المجموعة الحمراء، لعب عناصرهاً دوراً ريادياً في تعقب الحريري الذي نادراً ما يزور ضاحية بيروت الجنوبية. عند التدقيق في نشاط الهاتف، وجد محققو الأمم المتحدة أن نموذج الشبكة في 8 شباط، قبل أسبوع من عملية الاغتيال، كان مطابقاً لنموذج 14 شباط باستثناء الانفجار بالطبع. سلك الحريري الطريق نفسه تماماً في ذلك اليوم. قال رئيس المحققين، “نحن نعتقد أنهم إما أجروا اختبار تشغيل، أو كان هناك اتصال قريب ولم يتمكنوا من الوصول إليه.

بلغ نشاط الهاتف الأحمر ذروته في يوم التفجير، وتركز على طول الطريق التي سلكه الحريري إلى مبنى البرلمان وفندق السان جورج. يقول الادّعاء إن رقم هاتف الانتحاري كان 3127946. عندما انفجرت شاحنة الميتسوبيشي انقطع الهاتف، وتوقفت المجموعة الحمراء بكاملها عن العمل نهائيا.

سامي عيسى

تدعي النيابة أنه بالإضافة إلى الهواتف “التشغيلية”، استخدم القتلة أيضا العديد من الهواتف المحمولة والخطوط الأرضية الخاصة. تمكن المحققون من معرفة أن القاتل كان يحمل هاتفا “تشغيليا” في جيب سرواله الأمامي ويحمل في جيب سرواله الخلفي هاتفا يتصل منه بصديقاته.

أيضا استنادا إلى عمل عيد، قارن محققو الأمم المتحدة المناطق التي استخدمت الهواتف التشغيلية ذات الصلة بالمناطق التي كانت تستخدم فيها الهواتف الخاصة، وبحثوا عن نماذج تتيح لهم ربط الهواتف التشغيلية بأناس حقيقيين لديهم تاريخ حقيقي. ويقول ممثلو الادعاء أن العديد من الأشخاص كانوا متورطين في المؤامرة، ولكن من خلال هذه الطريقة تمكنوا من التعرف على هويات خمسة منهم – المتهمين.

أحد المتهمين هو حسن حبيب مرعي، ولد في بيروت في العام 1965. لم يتمكن ممثلو الادعاء من العثور على أي حسابات مصرفية باسمه، ويعرفون أنه دفع حتى أقساط أولاده المدرسية والجامعية نقداً.  انتسب مرعي إلى “حزب الله” في العام 1986، وتم تعيينه في العام 2003 قائد القوات الخاصة لـ”حزب الله” في لبنان، الأمر الذي يضعه بين كبار قادة عملية اغتيال الحريري. ويقول مسؤولون في المخابرات الاسرائيلية إنه كان وراء عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز 2006، العملية التي أشعلت حرباً في لبنان بين إسرائيل و”حزب الله” استمرت 34 يوماً.

يقول الادّعاء إن مرعي أدار المجموعة الأرجوانية، المجموعة التي كلفت بتأمين غطاء للعملية. التقط برج الهاتف المحمول بالقرب من منزل مرعي إشارات من قائد الهاتف الأرجواني وأحد هواتف مرعي الشخصية لأيام، ورافق الهاتف الشخصي الذي وضع مرعي رقمه على عائداته من ضريبة الدخل الهاتف الأرجواني بانتظام، ويفترض أن مرعي كان يتنقل في جميع أنحاء المدينة حاملاً الهاتفين. في تشرين الثاني 2004، طلب مرعي، على ما يبدو عن طريق الخطأ، بعض الأثاث لمنزله من رقم الهاتف الأرجواني 3572321، ووقع ورقة مؤكداً استلامه الأثاث، لكن عندما أدرك أنه استلم إحدى قطع الأثاث عن طريق الخطأ، استخدم الهاتف الأرجواني نفسه للاتصال بالمتجر واستبدالها. يقول المحققون إن الهاتف الأرجواني نفسه كان دائماً موجوداً في المكان نفسه الذي كان يوجد فيه هاتف قائد المجموعة الخضراء الذي كان يحمله مرعي.

 متهم آخر هو سليم جميل عياش، ولد في حاروف، لبنان، في العام 1963. عياش هو رجل اطفاء مسجل، وإن كان تبين في العام 2004، انه يعمل يومين في الأسبوع فقط. إنه أحد أقرباء القائد العسكري الأعلى لـ”حزب الله”، عماد مغنية، وهو قائد وحدة قوات “جابر” في “حزب الله”، التي سميت على اسم مصنع الحلوى حيث عمل والد مغنية سابقا. (يدخل في اختصاص المحكمة ليس فقط التفجير، إنما أيضا أي جرائم ذات الصلة، بما في ذلك الهجوم على وسام عيد وقائده، ويقول المحققون، استنادا إلى بيانات الهاتف المحمول والتحليل الكيميائي لمتفجرات RDX التي استخدمت في العديد من العمليات، أن وحدة قوات “جابر” قد تكون هي من نفذ عملية اغتيال عيد). تدّعي النيابة العامة أن عياش أشرف على معظم التحضيرات، وشارك أيضاً في تنسيق حركة شاحنة الميتسوبيشي يوم تنفيذ عملية اغتيال الحريري.

 يستخدم عياش 11 هاتفاً، اثنان منهم أرضيان، وخمسة لأغراض شخصية وأربعة للمجموعات التشغيلية المختلفة. لقد تنقل في جميع الأماكن حاملاً هاتفه الشخصي والهواتف التشغيلية، لذا سجلتها أبراج الهاتف إشاراتها دائما في الأماكن نفسها.

 المتهم الثالث حسين حسن عنيسي، ولد في بيروت في العام 1974. في السجلات المدنية القليلة التي تمكن المحققون من العثور عليها، يصف نفسه بأنه يعمل لحسابه الخاص، أو محاسبا في متجر السجاد الذي يملكه شقيقه. يقول الادعاء إنه “محمد”، الرجل الذي استدرج أبو عدس إلى المؤامرة. كان قد طلب أولاً من رجل آخر يدعى أحمد لبده أن يعلمه الصلاة، لكن أحمد لبده قال له إن لديه مشاغل كثيرة، وأوصى بأبو عدس. (شاهد ادعاء رئيسي، وافق أحمد لبده على أن يشهد في لاهاي، لكن أحدهم سرّب اسمه إلى صحيفة لبنانية يمكن للمحكمة أن تتهمها بعرقلة سير العدالة، إذ أنه من الصعب تأمين حماية الشهود إن لم يكن بالإمكان إخفاء هويتهم).

ولد المتهم الرابع، أسد حسن صبرا، في بيروت في العام 1976. ترك المدرسة في سن الخامسة عشرة، وخدم في الجيش، ثم عمل كطراش وبائع أحذية، من بين مهن أخرى. يقول الادّعاء إنه كان أيضا عنصراً في المجموعة الأرجوانية بقيادة مرعي.

 المتهم الأكثر أهمية، هو مصطفى أمين بدر الدين، الذي ولد في العام 1961. يظهر اسمه على عدد قليل جدا من الوثائق اللبنانية، لكنه رغم ذلك، أصبح معروفا لدى المحققين. مثل عياش، إنه أحد أقرباء عماد مغنية، وهو أيضا متزوج من شقيقته. لسنوات عدة كان مساعد مغنية الأكثر ثقة، ويعتقد أنه شارك في بعض عمليات “حزب الله” الأكثر إثارة. كان بدر الدين جزءاً من خلية “حزب الله” التي نفذت الهجوم على السفارة الأميركية في الكويت في العام 1983، والذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص. (ألقي القبض عليه من قبل السلطات الكويتية وكان يقضي حكما بالسجن مدى الحياة هناك عندما غزا جيش صدام حسين الكويت من الشمال في العام 1990. في خضم الفوضى التي تلت ذلك، فرّ بدر الدين إلى السفارة الإيرانية في مدينة الكويت، ومن هناك، نقله أعضاء الحرس الثوري الإسلامي إلى طهران، ثم عاد إلى بيروت، حيث استأنف على الفور مهامه العادية).

تضمنت معظم عمليات بدر الدين مساعدة العناصر الجهادية اللبنانية خارج لبنان. وفقاً لأحد عناصر الاستخبارات في المنطقة، كان بدر الدين قائد الوحدة 1800، التي حرضت على الأعمال الإرهابية ضد إسرائيل من وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ونسق ايضاً نشاطات الوحدة 2800، التي كانت مسؤولة عن دعم  الهجمات ضد القوى السنية في العراق، فضلاً عن القوات الأميركية والبريطانية خلال الحرب على العراق. بعد أن اغتال الموساد عماد مغنية في العام 2008، تولى بدر الدين معظم مهامه. كان هو شخصياً هدفاً للاغتيال في كانون الثاني الماضي، عندما أطلقت طائرات إسرائيلية من دون طيار النار على مجموعة من سبعة رجال في سوريا مما أسفر عن مقتل ستة، من بينهم جهاد مغنية، ابن عماد، وجنرال إيراني. وكان بدر الدين افترق عن المجموعة في اللحظة الأخيرة.

 أمر مهم اكتشفه المحققون: يبدو أن بدر الدين كان يعيش حياة ثانية تحت اسم سامي عيسى. أعرج في ساقه اليمنى، ويرتدي النظارات الرياضية وقبعة البيسبول، جاب بدر الدين/عيسى في سيارته المرسيدس البراقة  برفقة حرسه الخاص لبنان طولاً وعرضاً.  يقول الادّعاء إن بدر الدين / عيسى كان يحمل ما لا يقل عن 13 هاتفاً أثناء اغتيال الحريري. لم يتم إجراء أي اتصال أبداً بين هذه الهواتف. بعض الأشخاص الذين اتصل بهم، من بينهم عشيقته، يعرفونه على الأرجح باسم سامي عيسى فقط. استخدم هذا الاسم في بعض رسائله النصية التي أرسلها، كما استخدم أيضا اسم سامي سامينو، أو سامينو فقط، الذي هو أيضا اسم متجر المجوهرات الذي يديره باسم عيسى.

يشكل الإبقاء على هذه الوتيرة من الدقة والانتباه تحدياً كبيراً. فقد استخدم عيسى الهواتف الخاصة العائدة له، على سبيل المثال، ليجري عدة اتصالات بعائلة بدر الدين. اتصل من أحد هذه الأرقام بشقيقة بدر الدين، سعدى، أكثر من 2،056 مرة. في 6 نيسان 2005، تلقى عيسى عدة رسائل لتهنئته بعيد مولده – الذي هو أيضا عيد مولد بدر الدين. وبالمثل، تم استخدام هواتف عيسى لإجراء وتلقي الاتصالات من السعودية في نفس الفترة التي كانت فيها زوجة بدر الدين، فاطمة، وابنها، موجودين هناك. حتى أنه تم تسجيل انتقال هاتف واحد على الأقل إلى مطار بيروت في اليوم الذي غادرا فيه لبنان وفي اليوم الذي عادا فيه.

تنقل هاتفان من هواتف عيسى الخاصة التي يستخدمها في جميع أنحاء لبنان بتزامن متطابق بشكل تام مع رقم الهاتف الأخضر 3140023، وهو الهاتف العائد للقائد الأعلى في شبكة الهواتف المستخدمة لاغتيال الحريري. كما تم استخدام الهواتف الشخصية لإجراء عدة اتصالات بأرقام عائدة لـ”حزب الله.

تقول النيابة العامة إنه في الليلة التي سبقت عملية الاغتيال، بقي بدر الدين، وعياش ومرعي على تواصل دائم، على الأرجح من أجل وضع اللمسات الأخيرة على العملية. في تلك الليلة، كانت هواتف عيسى بحوزة بدر الدين أيضا.  حوالي الساعة الثانية صباحاً، تم إرسال رسالة نصية إلى أحد هذه الهواتف، 3966663، من قبل إحدى صديقات عيسى. فرد عليها بطريقة استفزازية عند الساعة 2،31 صباحا: “لو كنت تعلمين أين أنا لغضبت كثيرا.

من الصعب معرفة إن كان عيسى يعترف بخيانته أو يقصد موضوعا أسوأ من ذلك بكثير – شاعراً بما قد تفكر به، وهي الفتاة المسلمة السنّية، إن علمت ماذا يفعل. وفي كلتا الحالتين، تظهر هذه الرسالة النصية أنه حتى في ظل الضغوط المكثفة التي يفرضها وضع اللمسات الأخيرة على واحدة من أكبر عملياته، يجد بدر الدين الوقت للعبث مع صديقاته.

في اليوم التالي، في الساعة 11،58 من قبل الظهر، قبل وقوع الانفجار مباشرة، ورد اتصال من هاتف عياش الأخضر إلى هاتف بدر الدين الأخضر من مكان ملاصق لفندق السان جورج. دام الاتصال 14 ثانية. كان هذا الاتصال الأخير على الشبكة الخضراء. بعد انتهاء الاتصال بوقت قصير، أجرى بدر الدين عدة اتصالات بأرقام مجهولة، مستخدماً هاتفاً آخر من هواتفه. تشير المعلومات التي تلقاها محققو المحكمة إلى أنه تحدث إلى عماد مغنية، القائد العسكري الأعلى لـ”حزب الله”، للحصول، ربما، على الإذن الأخير بالتنفيذ. في وقت لاحق من ذلك اليوم، وعلى غير عادته، أقفل بدر الدين جميع هواتفه لمدة ساعتين.



(موقع القوات اللبنانية)