Associated News Agency
الجمعة 3 نيسان 2020

هكذا قتلوا الحريري ووسام عيد الذي حل اللغز

تعريب: صوفي شماس.، الجمعة 13 شباط 2015

التعريب الكامل لمقال “نيويورك تايمز” عن دور مغنية باغتيال الحريري (الجزء الأول)

 الاغتيال

عاش الحريري وعمل في مجمع مترامي الأطراف، مكون من تسعة طوابق، قصر قريطم. في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم 14 شباط 2005، أخبر حراسه أنه سوف يغادر إلى موعد. كان يحب أن يقود السيارة بنفسه، حتى عندما كان رئيساً للوزراء. إنما وهو في منصبه كان يتنقل  مع 50 حارساً من قوى الأمن الداخلي. لديه الآن أربعة حراس فقط من الأمن الداخلي، ألحق بهم فريق أمنه الخاص، بقيادة يحيى العرب، المعروف باسم أبو طارق، الذي رافق الحريري منذ العام 1975، مرتديا النظارات الشمسية الداكنة وتعلو وجهه تعابير قاسية. يحمل جميع الحراس مسدسات ويضعون سماعات راديو متصلة بشبكة خاصة تحت إشراف أبو طارق. كانت سياراتهم مجهزة ببنادق آلية وجهاز التشويش على إشارة الراديو (لمواجهة الهجمات التي تشنها أجهزة التحكم فيها عن بعد)، ووفقا لأحد المصادر، قذائف صاروخية وقاذفات صواريخ.

عند الساعة 10:41 صباحا، توجه موكب الحريري إلى ساحة النجمة، مبنى البرلمان اللباني. وصل بعد حوالي 13 دقيقة، وقضى الحريري الساعة التالية في التحدث مع عدد من أعضاء البرلمان، بما في ذلك شقيقته بهية الحريري. بدا في الصور الأخبارية التي التقطت في ذلك الوقت، هادئاً وسعيداً. عند الساعة 11:56 صباحا، عاد الحريري إلى موكبه، وبدأ حراسه بدخول سياراتهم، في انتظار أمر من أبو طارق للعودة إلى المنزل.

في تلك اللحظة نفسها، أجريت عدة مكالمات من هواتف محمولة من على مقربة من مبنى البرلمان إلى مجموعة أخرى من الهواتف متمركزة على مسافة ميل شمال غرب. بعد فترة وجيزة من هذه الاتصالات، سجلت الكاميرات الأمنية في نفق الرئيس سليمان فرنجية، في نفس المنطقة تقريبا، تحرك شاحنة  ميتسوبيشي كانتر شمالاً، نحو فندق السان جورج. كانت الشاحنة تحمل طنين من المتفجرات العسكرية  تسمىRDX  ، ما يكفي لإحداث انفجار يعادل تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995.

بينما كان الحريري يهم بدخول سيارته، أخبره أبو طارق أن نجيب فريجي، المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيروت، يجتمع مع بعض الصحافيين في ساحة النجمة، في مقهى مقابل للشارع. قرر الحريري عدم المغادرة،. وسار بدلاً من ذلك، بخفة نحو المقهى. أخبر أبو طارق الحراس الشخصيين بواسطة الراديو بالتأخير. انطلق سلسلة أخرى من المكالمات الغامضة عبر الهواتف المحمولة، وانعطف سائق شاحنة الميتسوبيشي نحو اليمين بعد خروجه من النفق وتوقف. أمضى الحريري 45 دقيقة في المقهى، تحدث فيها مع فريجي والصحافيين، فضلاً عن عدد قليل من المارة. ظلت الهواتف المحمولة صامتة، والشاحنة متوقفة، تنتظر.

كان مع الحريري ضيف، باسل فليحان، مسيحي، شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة اللبنانية.  بناء على طلب الحريري، قطع فليحان عطلة التزلج في سويسرا للتشاور حول بعض المسائل الاقتصادية. كان قد حجز رحلتين منفصلتين لعودته إلى سويسرا – واحدة يوم الأحد، قبل يوم من الهجوم، وأخرى لليوم الذي يليه. اختار  الموعد الثاني لأنه كان يريد المشاركة في مناقشة برلمانية.

غادر الحريري أخيرا المقهى، وعاد إلى سيارته. جلس فليحان في المقعد بجانب السائق، وفتح الحريري زجاج السيارة ملوحاً بيده ومبتسماً لحشد صغير من الناس. في صورة هذه اللحظة، والتي كانت آخر صورة للحريري وهو على قيد الحياة، انعكاس لبرج ساعة البرلمان على زجاج نافذة المرسيدس النظيفة.  أدار المحققون الصورة ورأوا الوقت المحدد لانطلاق موكب الحريري: 10 دقائق قبل الساعة الواحدة ظهرا.

يتألف موكب الحريري من ست سيارات. انطلق عناصر قوى الأمن الداخلي في المقدمة في جيب أسود تويوتا لاند كروزر، تبعهم مباشرة حراس الأمن الخاص في سيارة  مرسيدس بنز 550 إس سوداء. لحق بهم الحريري، يقود سيارته المرسيدس 600 إس (مع فليحان)، تتبعه سيارتا مرسيدس 500 إس في داخلهما حراس أمن خاص آخرين. ظهرت في المؤخرة سيارة زرقاء داكنة من نوع شيفروليه سوبربان أعيد تجديدها كسيارة اسعاف. من السيارة الرابعة، أبلغ أبو طارق لاسلكيا فريق قوى الأمن الداخلي الذي يقود الموكب بالطريق التي أراد أن يسلكها. لحق السائقون الآخرون بالسيارة التي تقود الموكب.

عندما انطلق الموكب، فتحت الهواتف المحمولة مجدداً، وعادت  شاحنة الميتسوبيشي إلى السير. التقطت الكاميرا الأمنية عند مخرج نفق  الرئيس سليمان فرنجية الشاحنة مرة أخرى وهي تتجه إلى  فندق السان جورج. كانت الساعة 12،51. التقتت كاميرا أمنية أخرى موضوعة على مبنى بنك  HSBC، شاحنة الميتسوبيشي، وهي تتحرك الآن ببطء شديد، أبطأ بكثير من السيارات الأخرى.

اقتربت الشاحنة من فندق السان جورج، ومرت أمام كاميرا أمنية أخرى. بعد ثانية واحدة من مغادرة شاحنة الميتسوبيشي المنطقة التي تغطيها الكاميرا ظهر موكب الحريري. كانت السيارات الستة تسير بسرعة حوالي 45 ميلاً في الساعة، وفقا لأنظمة الأمنية. مرت السيارات على مسافة حوالى 20 قدما كل واحدة عن الأخرى، ثم خرج الموكب من المنطقة التي تغطيها الكاميرات الأمنية.

عند الساعة 12:55 ظهرا، ومع اقتراب الموكب من الشارع الذي يفصل بين فندق السان جورج ومبنى بيبلوس قيد الإنشاء، تجاوزت السيارة الأولى شاحنة الميتسوبيشي. ربما طُلب من المهاجم تفجير نفسه بجانب السيارة الثالثة التي كان الحريري يقودها. تأخر عنها لجزء من الثانية، وانفجرت الشاحنة تماما عند بدء مرور السيارة الرابعة.

 في لحظة واحدة، أصبح الشارع جحيما. أحدث الانفجار حفرة كبيرة حوله، وامتزجت ألسنة اللهب والدخان والغبار، والسيارات المحترقة، وجثث الموتى والمحتضرين، وأجزاء أجساد، ومن المباني المدمرة، مئات الآلاف من شظايا الزجاج. رأى الناس الذين كانوا يشاهدون البث المباشر من البرلمان المنبر يهتز والمتحدث ينكمش خوفا.  كان واضحا أن هذا لم يكن زلزالاً، وعندما لم يتم سماع الانفجار الثاني، أيقن النواب أنه لم يكن دوياً قوياً من الطائرات الإسرائيلية التي تطير دائماً أزواجاً. وسمع عضو البرلمان يصرخ، باللغة العربية، “قنبلة!”

أبو طارق، الذي كان في السيارة الرابعة، والأقرب إلى الانفجار، تلقى القوة الكاملة للانفجار. كل ما استطاع المحققون إيجاده من رفاته كانت 38 قطعة من اللحم. وقد ألقى الانفجار تلك السيارة وما تبقى من ركابها في الطوابق السفلى من مبنى بيبلوس. السائق، محمد درويش، قطعت يديه ورجليه. أولئك الذين بقوا محاصرين في مقاعدهم في سيارات أخرى لم يلقوا مصيرا أفضل. أظهرت لقطات الفيديو النيران تأكلهم، وظهرت جماجمهم  البيضاء بعد ذوبان فروة رؤوسهم.

قذف التفجير جثة الحريري إلى الخارج وبالتأكيد توفي على الفور. اعتاد حراس الحريري تقبيل يده عربون ولائهم له. وقال أحد الحراس للمحكمة في وقت لاحق، “عندما عدت، رأيته على الأرض، وكنت قادرا على التعرف عليه من خلال خاتم زواجه.”

    وسام عيد

بدأ تحقيقان على الفور: فريق أولي من الأمم المتحدة ما أصبح في نهاية المطاف المحكمة من جهة، ووسام عيد، نقيب في قوى الأمن الداخلي درس هندسة الكمبيوتر قبل الالتحاق بقوى الأمن الداخلي، التحقيق المحلي من جدهة ثانية. صرفت الأمم المتحدة عدة ملايين من الدولارات للتحقيق في الجريمة، وترقب العالم كله عواقب لا يمكن تصورها للمنطقة. لكن عيد هو الذي طرح السؤال الذي فتح القضية في النهاية: لماذا لا ننظر إلى سجلات الهاتف المحمول؟

في ذلك الوقت، كانت منظمات تطبيق القانون في جميع أنحاء العالم أقل تطوراً مما هي عليه اليوم في ما يتعلق بما يمكن استخلاصه من استخدام الهاتف المحمول. كانت بعض العناصر الإجرامية تدرك أن جهاز مخابرات قد يكون قادراً على التنصت على المكالمات، لكن مجموعة صغيرة منهم فرت في قيمة البيانات الخلفية، المعلومات التي تبدو بسيطة حول متى وأين تم إجراء المكالمة أو حتى موقع الهاتف في تلك اللحظة. (يمكنك الاتصال على الهاتف المحمول والحصول على الجواب في غضون ثوان،لأن الهواتف المحمولة، عندما تعمل، تتحقق باستمرار من أي برج خلية يكون الأقرب إليها).

بناء على طلب عيد، أمر قاض شركتي الهاتف المحمول في لبنان، شركتي Alfa و MTC تاتش، لاستخراج سجلات المكالمات والرسائل النصية في لبنان في الأشهر الأربعة قبل التفجير. ثم درس عيد السجلات سراً لعدة أشهر. ركز على سجلات هاتف الحريري ومرافقيه، وتحقق من الذين اتصلوا بهم، وإلى أين ذهبوا، من التقوا ومتى. وتتبع أيضا أين أمضى أبو عدس، الانتحاري المفترض، الوقت قبل اختفائه. تحقق من كل الاتصالات التي أجريت على طول الطريق الذي سلكه مرافقو الحريري يوم الاغتيال. بحث دائماً عن السبب والنتيجة. قال محقق كبير في الامم المتحدة ، “كان رائعاً، رائعاً وحسب”. “من تلقاء نفسه، وضع برنامجاً بسيطاً لكن فعال بشكل مثير للدهشة لاستخراج بنك البيانات الهائل هذا.

كشف نظام العد العشري البسيط بسرعة وجود نمط غريب. في تشرين الأول 2004، بعد استقالة الحريري، بدأت مجموعة معينة من الهواتف المحمولة بملاحقته وملاحقة عناصر موكبه الذي تم تقليصه أينما ذهبوا. بقيت هذه الهواتف قريبة منهم ليلاً ونهاراً، حتى يوم التفجير – حيث توقف حوالى 63 هاتف في المجموعة فوراً ولم تعاود العمل مطلقاً.

أمضى عيد سنة في استخراج النماذج من البيانات. ثم بدأ في تقديم سلسلة من التقارير السرية لرؤسائه وفي النهاية، إلى فريق الأمم المتحدة. كان متأكداً من أن فريقا كبيراً من الناشطين المدربين تدريباً جيداً استخدم شبكة من الهواتف المحمولة لتنفيذ عملية الاغتيال. كما خلص عيد لاستنتاج أولي وخطير. كانت لديه أدلة تربط شبكة الهاتف بمسؤولين كبار في “حزب الله”. وتعززت هذه الشكوك عندما تلقى مكالمة هاتفية من مسؤولين في “حزب الله”، علموا بطريقة أو بأخرى عن تحقيقاته. ووفقا لتقرير بثته “سي بي سي” نيوز بعد سنوات، أكد ناشطون أن بعض الهواتف تعود إلى عناصر في “حزب الله”، لكنه ادعى أنهم كانوا يستخدمونها للتحقيق في مؤامرة اسرائيلية.

بشجاعة، عكف عيد على عمله.  في 5 سبتمبر 2006 انفجرت قنبلة على جانب طريق قرب موكب مؤلف من سيارتين تقلان قائد عيد، المقدم سمير شحادة، ومرافقيه في جنوب لبنان. نجا شحادة، ولكن الانفجار أسفر عن مقتل أربعة من حراسه الشخصيين. (انتقل شحادة في وقت لاحق للاستقرار في كيبيك). بدأ عيد يتلقى تهديدات بالقتل. واصل عمله، يتتبع من هاتف إلى آخر، ويؤلف روابط جديدة. طلب من شقيقه أن يصوره وهو يعمل، وصنع أيضا نسخة احتياطية من عمله ومن السجلات غير المجهزة.

في المقابل أحرز فريق الأمم المتحدة، تقدما بسيطاً. في تشرين الأول 2005، وبعد ثمانية أشهر على الهجوم، أصدر ديتليف ميليس، المحقق الألماني الذي أرسلته الأمم المتحدة للإشراف على القضية، تقريراً عاجلاً يستند في المقام الأول على شهادة شاهدين، ادعيا أنهما كانا موجودين عندما خططت مجموعة من الضباط اللبنانيين للهجوم بالاشتراك مع ضباط في المخابرات السورية. اعتقلت السلطات اللبنانية الجنرالات، الذين نفوا بشكل قاطع أي تورط. سرعان ما بدأت القضية تنهار. بعد مرور أشهر، ثم سنوات، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، ووزارة الخارجية الأميركية في نهاية المطاف والأمم المتحدة نفسها لبنان إلى إطلاق سراح الجنرالات، وهذا ما حدث بعد سنوات عدة ، بعدما سحب أحد الشهود شهادته على برنامج أخبار تلفزيوني .

في أواخر العام 2007، عاد فريق الأمم المتحدة أخيراً إلى سجلات الهاتف. في البداية تجاهل الفريق عمل عيد الأولي، الذي كان موجوداً في ملفاته منذ عام 2006. بدلاً من ذلك، ووفقاً للتقرير الصادر عن “سي بي سي نيوز”، استخدم فريق الأمم المتحدة شركة بيانات بريطانية مستقلة لتحليل بيانات الهاتف – وكما فعل عيد قبلهم – اكتشفت بسرعة نموذجاً واضحاً. هناك مجموعة من الهواتف تتبعت الحريري لعدة أشهر قبل وفاته، ثم توقفت عن العمل بعد الهجوم.

كان عيد قد ذهب أبعد من ذلك بكثير، متخذاً عدة قفزات منطقية سمحت له بالمباشرة في بناء هيكلية قيادة كاملة. اهتم فريق الأمم المتحدة أخيرا بعمله ودعاه إلى اجتماع في كانون الثاني عام 2008. كان الاجتماع مثمراً، لذا اجتمعوا مرة أخرى في الأسبوع التالي. في 25 كانون الثاني 2008، وبينما كان عيد وحارسه يقودان السيارة على الطريق السريع في شرق لبنان، انفجرت سيارة ملغومة، ما أسفر عن مقتله، ومقتل حارسه الشخصي وشخصين آخرين صادف وجودهم على الطريق في ذلك اليوم. كان عيد يبلغ من العمر 31 عاما فقط.

بعد فترة وجيزة، أعلنت السلطات اللبنانية أنها غير قادرة على متابعة أي جزء آخر من التحقيق، وأنها نقلت جميع المواد التي في حوزتها، والتي تتسع لحمولة شاحنتين، إلى فريق الأمم المتحدة. (يبتع جزء ثان)



(موقع القوات اللبنانية)